رغم شهادة 20 ضحية.. ضباط نظام الأسد في أكبر محاكم فيينا يؤكدون: لم نعذب المتظاهرين في سوريا
النمسا ميـديـا – فيينا:
بدأت في محكمة جنايات فيينا اليوم محاكمة مسؤولين سابقين في نظام الأسد في سوريا، بتهم تتعلق بممارسة التعذيب في أحد السجون السورية. وتأتي هذه المحاكمة في العاصمة النمساوية استناداً إلى الالتزامات الدولية المتعلقة بملاحقة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ويُعد المتهم الرئيسي في هذه القضية جنرالاً سابقاً في الجيش السوري. ووفقاً لما أورده موقع هيئة الإذاعة والتلفزيون النمساوية ORF، فقد مثل المتهم الأول أمام المحكمة بعد أن قضى فترة في الاحتجاز الاحتياطي منذ نهاية عام 2024 في سجن Wien-Josefstadt، حيث حاول خلال جلسة الاستجواب تقليل حجم دوره في جهاز الدولة السوري وتفنيد التهم الموجهة إليه.
المتهم الأول يدعي التعاطف مع المتظاهرين وينفي علمه بالتعذيب
حاول المتهم الأول، وهو جنرال سابق ينتمي إلى الطائفة الدرزية، تبرير انضمامه للمؤسسة العسكرية بكونها الوسيلة الأسرع لكسب العيش في المناطق الريفية، مشيراً إلى أن نقله إلى جهاز المخابرات جاء رغبةً من النظام في تحقيق التنوع الطائفي. وأفاد المتهم، عبر مترجم اللغة العربية، بأنه ومع بدء المظاهرات في الرقة في مايو 2012، كان أعضاء حزب البعث يتصدون للمحتجين. وزعم المتهم أمام المحكمة أنه كان يتعاطف شخصياً مع المتظاهرين، نافياً صدور أي أوامر باستخدام العنف ضدهم. كما ادعى أن أداة التعذيب الشهيرة المعروفة باسم “البساط الطائر” لا يعرفها إلا من خلال مقاطع الفيديو، وأن دوره اقتصر على جعل المعتقلين يوقعون تعهداً بعدم التظاهر مجدداً، مؤكداً أنه لم يشاهد أي متظاهر مصاب بجروح، وأنه لو رأى أي عنف لبادر إلى منعه فوراً.
صفقة مع “الموساد” وجلب المتهم إلى فيينا
كشفت تفاصيل القضية المحاطة بالاهتمام أن المتهم الأول نُقل إلى النمسا في عام 2015 من قبل عدة ضباط ينتمون إلى جهاز حماية الدستور ومكافحة الإرهاب المنحل BVT، وذلك بموجب صفقة مع جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي “الموساد” حملت اسم عملية “الحليب الأبيض”، حيث جرى تقديم الدعم له لاحقاً في إجراءات الحصول على اللجوء. وفي المقابل، يمثل المتهم الثاني، وهو فني معادن، مطلق سراحه، وبينما كان كلا المتهمين دون سوابق جنائية وقت وقوع الأحداث، فإن المتهم الثاني يواجه حكماً سابقاً يتعلق بممارسة العنف في مكان العمل، مما قد يترتب عليه عقوبة إضافية في حال إدانته، وقد رفض المتهم الثاني الحديث أو الإجابة على الأسئلة، واكتفى بقراءة بيان أكد فيه أنه لم يكن جزءاً من اللجنة التي مارست التعذيب، وأنه فر من سوريا بعد رؤيته لما اقترفه الجنود.
الادعاء العام يستعرض أساليب التعذيب الممنهج في سوريا
أوضح المدعي العام في مرافعتة أن التهم تتعلق بجرائم تعذيب وقعت في بداية الحرب الأهلية في الفترة من 2011 إلى 2013، مؤكداً أن استخدام العنف كان وسيلة ممنهجة وأنه كان يمثل واقعاً يومياً داخل السجون السورية. وأشار الادعاء إلى أن المتهم الأول كان يتلقى الأوامر مباشرة من دمشق، حيث كان يتم سوق كل من يشتبه في تواصله مع المعارضة إلى المخابرات، ثم إلى الأمن الجنائي، وينتهي به المطاف أمام “اللجنة الأمنية”. واستعرض الادعاء أساليب “التعذيب القياسية” المستخدمة، مثل ضرب المعتقلين بـ “خرطوم أخضر” بعد وصلات من الضرب المبرح، وتنظيم ما يسمى “حفلات الاستقبال” التي يتناوب فيها حراس السجون على التنكيل بالمعتقلين بشكل جماعي فور وصولهم.
تفاصيل اعتداء وحشي على شاب بعمر 18 عاماً ودور المنظمات الحقوقية
سلط وكيل النيابة الضوء على تعرض شاب كان يبلغ من العمر حينها 18 عاماً لـ “نوبة عنف غير مسبوقة”، حيث جرى استجوابه وضربه وهو لا يرتدي سوى ملابسه الداخلية، وتهديده بعبارات تمس سلامته الجسدية والنفسية، وهو ماصنفته لائحة الاتهام كإكراه جنسي. وأكد الادعاء العام أن القضية لم تكن لتصل إلى محكمة الجنايات في فيينا لولا الجهود الحثيثة التي بذلتها منظمات غير حكومية مثل Amnesty International، وCEHRI، وCIJA، وHuman Rights Watch. وصرحت المحامية Tatiana Urdanetta-Wittek ممثلة منظمة CEHRI، والتي تدافع عن 18 ضحية بشكل مباشر، بأن الهدف ليس الانتقام وإنما الحصول على محاكمة عادلة، في حين ذكرت المحامية Nadja Lorenz، ممثلة ضحيتين، أن الضحايا تشتتوا في مختلف أنحاء أوروبا، وأن المحاكمة وإن كانت تدين أفراداً، فإنها تضع ممارسات القمع التي نفذها النظام السوري قيد البحث والتقييم.
الإطار القانوني المطبق وجدول الجلسات المقبلة
يواجه المتهم الأول تهم العزير، والإكراه الشديد، والإكراه الجنسي، بالإضافة إلى إلحاق إصابات جسدية جسيمة بعدد كبير من الأشخاص، بينما يواجه المتهم الثاني تهم الإيذاء الجسدي الجسيم والإكراه الشديد والإكراه الجنسي، ويواجه كلاهما عقوبة تصل إلى السجن لمدة 10 سنوات في حال الإدانة. ووصف المدعي العام الوضع القانوني في النمسا بأنه “موافق جداً” لمصلحة المتهمين، نظراً لأن القانون المطبق هو الذي كان سائداً بين عامي 2011 و2013، وتلك القوانين تتضمن عقوبات مخففة مقارنة بالقوانين الحالية؛ حيث كانت العقوبة القصوى للإيذاء الجسدي العمد في ذلك الوقت لا تتجاوز ثلاث سنوات، ولا يمكن تطبيق حزم حماية العنف المشددة التي أقرت لاحقاً بأثر رجعي. ومن المقرر أن تستمر المحاكمة على مدار 13 يوماً حتى شهر يونيو، وتشهد الاستماع إلى العديد من الشهود، من بينهم عنصران سابَقان كانا يعملان تحت إمرة المتهم الأول، على أن تتواصل الجلسات يوم الثلاثاء في تمام الساعة 12:30 بمساءلة شاهد يمثل منظمة Commission for International Justice and Accountability (CIJA) ومقرها لاهاي.



