بدء محاكمة “جنرال التعذيب” ومسؤول أمني سابق بنظام الأسد في محكمة فيينا

النمسا ميـديـا – فيينا:

تبدأ في المحكمة الجنائية بفيينا، اليوم الاثنين، محاكمة اثنين من المسؤولين السابقين في نظام الرئيس السوري بشار الأسد، الذي أُطيح به في ديسمبر 2024. ويواجه المتهمان اتهامات بارتكاب جرائم تعذيب وجرائم خطيرة أخرى بحق مدنيين كانوا محتجزين في سوريا في ذلك الوقت.

المتهم الأول، الذي يُوصف غالباً بـ “جنرال التعذيب”، كان قد نُقل إلى النمسا قبل عشر سنوات من قِبل جهاز حماية الدستور النمساوي بناءً على اتفاق مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد)، وهو محتجز قيد الحبس الاحتياطي منذ نهاية عام 2024 بسبب مخاوف من هروبه.

الاتهامات الموجهة ومسرح الجرائم في الرقة

تتضمن لائحة الاتهام الموجهة ضد المتهم الأول “خالد هـ.” (Chaled H.) والمتهم الثاني “أبو ر.” (Abu R.) جرائم تعذيب، وإلحاق أذى جسدي جسيم متعدد، والإكراه الجنسي بحق معارضين للنظام. وتشمل القضية 21 ضحية يعيشون جميعاً في أوروبا حالياً.

وتعود الأفعال المنسوبة إليهما إلى الفترة ما بين عامي 2011 و2013، حيث نُفذت عمليات التعذيب وسوء المعاملة في سجن بمدينة الرقة كان يقع تحت مسؤولية المتهمين، ويُعتقد أن المتهمين كانا حاضرين ومشاركين بشكل مباشر في بعض تلك العمليات، علماً بأن المتهمين بريئان حتى تثبت إدانتهما. وكان “خالد هـ.” يترأس القسم 335 في المخابرات السورية، بينما كان المتهم الثاني “ر.” رئيساً للأمن الجنائي في الرقة. ويتواجد “هـ.” في النمسا منذ أكثر من عشر سنوات، وهو محتجز منذ نهاية 2024 في سجن (JA Wien-Josefstadt).

عملية “الحليب الأبيض” (White Milk) السرية

ارتبط اسم “خالد هـ.” في النمسا بالعملية السرية التي عُرفت باسم “White Milk”. ففي مايو 2015، اتفق المكتب الاتحادى لحماية الدستور ومكافحة الإرهاب (BVT) -الذي تم حله لاحقاً- مع جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي (الموساد) على نقل الجنرال السوري من فرنسا إلى النمسا. واستقبله ضباط الـ (BVT) عند الحدود النمساوية، وتم نقله في سيارة حكومية إلى فيينا، حيث تم توفير سكن له وتقدير دعم مالي.

وفي وقت لاحق، ساعد ممثلو جهاز الأمن النمساوي الضابط السوري في إجراءات لجوئه للحصول على حق الإقامة. وتعهد الإسرائيليون بتحمل تكاليف معيشته، وكان الهدف من العملية هو الحصول على معلومات استخباراتية تتعلق بسوريا، في حين أكد الموساد للـ (BVT) حينها أن “هـ.” ليس مجرم حرب.

تداعيات قضائية وبراءات سابقة عام 2023

وفقاً لتحقيقات مكتب مدعي عام مكافحة الجرائم الاقتصادية والفساد (WKStA)، فإن رئيس قسم الـ (BVT) آنذاك، “مارتين فايس” (Martin Weiss)، هو من أبرم اتفاقية التعاون “White Milk” بشكل أساسي. ويذكر أن “فايس” متوارٍ عن الأنظار حالياً في دبي ومطلوب بموجب مذكرة توقيف دولية لاتهامه بالمشاركة في تنظيم الهروب المفاجئ للمدير التنفيذي السابق لشركة (Wirecard) “يان مارساليك” إلى روسيا.

وفي عام 2023، انتهت محاكمة ثلاثة ضباط سابقين في (BVT) وضابط من المكتب الاتحادي لشؤون الأجانب والجوء (BFA) بتهمة إساءة استخدام السلطة في هذه العملية بصدور أحكام براءة قطعية. ولم يكن “فايس” متاحاً للعدالة حينها لغيابه عن الجلسات، بينما تم استدعاء الجنرال السوري كشاهد في تلك القضية، لكنه كان قليلاً في كلامه متذرعاً بوجود “خوف على حياته وحياة عائلته”.

أوضاع كارثية داخل غرف الاحتجاز

تذكر لائحة الاتهام للعملية التي انطلقت اليوم، أن التعذيب كان يُستخدم “لقمع حركة الاحتجاج ضد النظام آنذاك وترهيب السكان”. ووفقاً لشهادات معتقلين سابقين، فإن السجناء تعرضوا لانتهاكات نفسية شديدة وتعذيب ممنهج ومستمر عبر الضرب، والصدمات الكهربائية، واستخدام أدوات بدائية تسبب آلاماً مبرحة.

وكانت الأوضاع داخل زنازين الأمن الجنائي كارثية، حيث كان يتم احتجاز 25 معتقلاً أو أكثر في زنزانة لا تتعدى مساحتها 5 في 5 أمتار. ولم يكن المعتقلون يعلمون مدة احتجازهم، كما لم يتم إخطار ذويهم بمكان تواجدهم. فضلاً عن أن الأوضاع الصحية وإمدادات الطعام ومياه الشرب كانت سيئة للغاية، إذ كانت المياه توفر عبر المراحيض الموجودة داخل الزنازين.

13 يوماً من الجلسات بفيينا

تُعد هذه القضية المرة الثالثة فقط التي يُحاكم فيها مسؤولون من النظام السوري أمام محاكم أوروبية منذ اندلاع الحرب الأهلية. ويسمح “مبدأ الولاية القضائية العالمية” (Weltrechtsprinzip) بالنظر في الجرائم شديدة الخطورة مثل انتهاكات القانون الدولي، حتى لو لم تكن هناك صلة مباشرة للجرائم بالبلد الذي تُجرى فيه المحاكمة. وكانت ألمانيا قد حكمت في أول محاكمة من نوعها مطلع 2022 بالسجن المؤبد على موظف سابق بالمخابرات السورية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية والقتل والتعذيب. كما أدانت السويد جندياً سابقاً في 2017 بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

وتعتبر محاكمة فيينا الحالية الأولى من نوعها منذ سقوط نظام الأسد. وتشكل القضية تحدياً لوجستياً للمحكمة، حيث خُصصت لها 13 جلسة مبدئية في القاعة 203 على مدار شهر يونيو بالكامل. ورغم أنه من المقرر الانتهاء منها في 30 يونيو، إلا أن ذلك يبدو غير مرجح في حال اعتراض دفاع المتهمين على الاستماع للشهود عبر الفيديو، مما سيتطلب استدعاءهم وحضورهم شخصياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى