براءة قطعية إمام مسجد الهداية بفيينا من تهم الإرهاب بعد سنوات من تحقيقات “عملية الأقصر”
النمسا ميديا – فيينا:
تمخضت التحقيقات الطويلة المرتبطة بعملية “الأقصر” المثيرة للجدل، بعد أكثر من خمس سنوات على إطلاقها، عن أولى المحاكمات المتعلقة بجرائم الإرهاب. وحكمت محكمة الجنايات في المحكمة الإقليمية بفيينا، يوم الأربعاء، ببراءة إمام مسجد الهداية من أصول مصرية يدعى ايراهيم د. من تهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية وتحريض الجماهير على الكراهية، وجاء الحكم قطعيًا وباتًا بشكل فوري.
حرية الرأي والعبادة تكفل المواقف الفكرية
وأوضح رئيس هيئة المحكمة في أسباب النطق بالحكم أن المتهم، رغم كونه من أتباع تفسير “أكثر راديكالية” للإسلام، فإن هذا التوجه يظل مقبولاً وتكفله حرية الرأي والعقيدة. وأشار القاضي إلى أن النيابة العامة، بعد سنوات من التحقيقات، توصلت إلى قناعة تفيد بأن جماعة الإخوان المسلمين لا يمكن تصنيفها كمنظمة إرهابية، مبيناً أنه “لم يعد أمام النيابة سوى اللجوء إلى حركة Hamas” لبناء اتهامها. وأضاف أن حركة Hamas تعد من ناحية منظمة إرهابية، لكنها من ناحية أخرى تمثل سلطة منتخبة للفلسطينيين في قطاع غزة.
وأكدت المحكمة أن التصريحات المنسوبة للمتهم تعود إلى فترة زمنية سبقت بكثير هجوم Hamas على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، وبالتالي لا يمكن اعتبار دعمها في ذلك الوقت بمثابة دعم لمنظمة إرهابية. وتوجه القاضي للمتهم قائلاً: “هل أبديت استحسانًا لهجوم إرهابي؟ لا. ما استحسنته هو الكفاح العسكري ضد النظام الإسرائيلي”.
إسقاط تهمة التحريض على الكراهية
وشمل حكم البراءة أيضًا اتهام الإمام بالتحريض على الكراهية. وبررت المحكمة ذلك بأن مصطلح “الصهاينة” يعبر عن “أيديولوجية أو بالأحرى رؤية سياسية”، وبذلك لا يقع تحت طائلة قانون تجريم التحريض. وأضافت أنه حتى في حال عدم إدانته بتهمة الإرهاب، فإن هذه التهمة كانت ستسقط بالتقادم في كل الأحوال. ونظرًا لتنازل النيابة العامة في فيينا – التي حضرت الجلسة نيابة عن النيابة العامة في Graz التي تولت التحقيق – عن حقها في الطعن، فقد أصبح الحكم نهائيًا ونافذًا.
دفع بالبراءة ورفض تام لتوجهات Hamas
وكان المتهم، وهو مواطن نمساوي من أصل مصري تنقل في نشاطه الدعوي بين Graz وفيينا، قد دفع ببراءته منذ بداية الجلسة مؤكدًا رفضه التام لحركة Hamas. واستندت لائحة الاتهام إلى خطبة ألقاها عام 2014 في منطقة Leopoldstadt وبثها لاحقًا عبر موقع YouTube، وجاء فيها وفقًا للادعاء: “واذكروا القادة في مقدمتهم – قادة Hamas، وفصائل الجهاد، والمقاومة – إنهم يضحون بأنفسهم من أجل الله تبتغاء مرضاته. ويظن العدو، الكيان الصهيوني، أنه يستطيع كسر عزيمتهم، ولكن لا، أبدًا!”.
التمييز بين النظام السياسي وحق الشعوب في الحياة
وفي المقابل، شدد المتهم خلال استجوابه بعد ظهر الأربعاء على تفريقه الواضح بين “الكيان الصهيوني” الذي يقصد به دولة إسرائيل، وبين الشعب الإسرائيلي، قائلاً: “الشعب الإسرائيلي له الحق في العيش بحرية”. كما أكد أنه لا يقر الهجمات التي تشنها حركة Hamas ضد إسرائيل، معبرًا عن رغبته في التوصل إلى “حل سلمي” بعدما عانت فلسطين على مدار 75 عامًا.
دفاع الإمام: المحاكمة ذات دوافع سياسية
من جانبه، اعتبر محامي الدفاع أن موكله يمثل أمام القضاء اليوم لأسباب سياسية بحتة، مؤكدًا أنه لولا إدراج القضية كـ “جزء من عملية الأقصر” لما رُفعت الدعوى من الأساس. وأشار المحامي إلى أن موكله مارس العمل كإمام لأكثر من 25 عامًا ولم تصل أي من خطبه إلى أروقة المحاكم سابقًا، مضيفًا أن “كل ما قاله متاح للعلن”. وأوضح الدفاع أن توجيه الاتهام في هذا التوقيت لا يعود لنتائج التحقيقات، بل لقرار المحكمة الإقليمية العليا التي ألزمت نيابة Graz برفع الدعوى أو حفظ القضية بحلول 15 مايو.
وانتقد الدفاع لائحة الاتهام ووصفها بالقصور، لكونها استندت إلى دراسة صادرة عن “مركز توثيق الإسلام السياسي” (Dokustelle Politischer Islam)، واصفًا المركز بأنه “غير مؤهل” و”موجه سياسيًا”. وأوضح أن الجمعية المسؤولة عن المسجد الذي كان يديره موكله نظمت منذ عام 2019 ورش عمل لمكافحة معاداة السامية، مضيفًا أن الادعاء اقتطع بضع ثوانٍ من خطب امتدت لعقود تدعو للتسامح. وأكد أن تلك التصريحات تزامنت مع حرب راح ضحيتها مئات الأطفال والنساء، وأن الخطب كانت بمثابة “دعوة للتعاطف الإنساني”.
ممر شائك في المحكمة وتفاصيل عملية “الأقصر”
وأبدى رئيس المحكمة والمستشارة استياءهما خلال الجلسة جراء الاضطرار للاستعانة بمترجمة فورية، رغم أن المتهم يقيم في النمسا منذ عام 1998 ويحمل الجنسية النمساوية منذ عام 2012، حيث ظهرت صعوبات في الفهم منذ البداية عندما سُئل المتهم عما إذا كان مدينًا بأموال، فأجاب: “أنا بريء”.
وتعود القضية إلى تداعيات عملية “الأقصر” المثيرة للجدل، والتي تبين لاحقًا عدم قانونية أجزاء منها. ففي نوفمبر 2020، بعد أسبوع من الهجوم الإرهابي الذي شهدته فيينا، شنت السلطات حملة مداهمات واسعة النطاق ضد جمعيات اشتُبه في صلتها بجماعة الإخوان المسلمين وحركة Hamas في مقاطعات شتايرمارك، وكارنتن، النمسا السفلى، وفيينا. وتحدثت السلطات حينها، بقيادة جهاز حماية الدستور في شتايرمارك ونيابة Graz، عن وجود 70 متهمًا يشتبه في تورطهم بتمويل الإرهاب وتشكيل تنظيم إرهابي.
وزير الداخلية: التحقيقات لا تزال مستمرة
وأفادت النيابة العامة في Graz بأن القضايا المرفوعة ضد 13 متهمًا لا تزال قيد النظر، بينما تم حفظ التحقيقات مع آخرين أو إحالتها إلى جهات اختصاص أخرى. وكان وزير الداخلية Gerhard Karner من حزب الشعب النمساوي (ÖVP) قد أكد مطلع شهر يونيو أن التحقيقات لم تنتهِ بعد، مشيرًا إلى وجود مسارات تحقيق إضافية تتابعها الأجهزة الأمنية بدقة، وأن فحص “المواد والبيانات الضخمة” التي تم التحفظ عليها يتطلب مزيدًا من الوقت.



