بقي عبد الباسط الساروت وسقط أعداء الإنسانية … بقلم فلسطيني

هكذا إذن ترجل حارس الثورة السورية عبد الباسط الساروت كما كان يُحب أن يُطلق عليه أنصاره وكل الذين كانوا يرددون أهازيج الحرية وأنغام القرى المنكوبة على ايقاع الموت الذي تصبه السماء فوق الغارقين في بحر الدم العظيم والمقتلة الأبشع في تاريخ البشرية المعاصر عن مرمى بلاده التي عرت وجه البشرية المظلم وكشفت عن أقبح صورة وصل لها هذا الكائن العبثي الساكن على وجه البسيطة.
رحل الرجل تاركا وراءه تركة تاريخية هائلة وحزنا لن يفارق جغرافيا تلك البلاد المفجوعة لسنين طويلة وعقود أطول، رحل وهو يحلم يوما ما بالعودة لريفه الذي اغتصبته أسلحة الدول المتصارعة على أنقاض البلاد التي كانت توصف يوما ما بحاضرة الشرق؛ وملعبه كي يمارس فيه طفولته وحلمه بالركض حافيا وراء أحلامه ليقطف منها ما يشتهي من فرح وحياة ويحصد كروم العنب وبساتين التفاح والياسمين التي مزقتها آلة الحرب الجهنمية دون أن تكترث لكل هذا التاريخ الذي ستحرقه البراميل المتفجرة وقنابل النابالم والصواريخ الموجهة والذكية والكثير الكثير من أسلحة أقل ما توصف بأنها جاءت من جحيم هذا الكون.
رحل الساروت غير آبه أبدا بكل ما سيقوله أعداءه انتقاصا من حياته وانتقاما من مسيرته وتشفيا بموته المهيب عل وعسى أن تكسر عزيمة من سيحمل رايته من بعده سعيا وراء الحرية وإسقاط طاغيته الأسد رغما عن أنف حلفاءه وقادة العالم وتجار الموت المتآمر على شعب يحلم بانقضاء هذه الحرب الشرسة، كما أولئك الذين سيجعلون من استشهاده نياشين على أكتافهم سعيا منهم في اقتناص المزيد من الاتباع والمؤيدين أو المنافع أو ربما كي يغسلوا بدمه أكفهم التي شوهتها هذه الحرب اللعينة.
رحل الساروت كاشفا زيف الكثير ممن تسلقوا هذه الثورة التي تعددت مساراتها وتوجهاتها مخلفين وراءهم حالة مريبة من الخيبات والفوضى التي ربما كانت السبب الرئيس في امتداد الحرب المشتعلة هناك لكل هذه السنوات العجاف.
ربما لم يعي الكثير ممن حاولوا أدلجة الصراع الدائر على الأراضي السورية أن التحرر من نظامٍ حكمَ البلاد بالحديد والنار لما يزيد عن أربعة عقود حق مشروع لا يمكن انكاره أو تفصيله أو حتى اختزاله في حراك أو فصائل تقاتل بعضها كما تقاتل الطواحين الهواء؛ أو حتى مؤتمرات وقمم جمعت معظم ساسة العالم كي يبرروا بكل سذاجة وافتراء كل هذا القتل الذي نراه يوميا وكل ساعة على شاشات التلفزة ووسائل الاعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
لقد كان الساروت إحدى العلامات الفارقة في إبراز المعنى الحقيقي لحالة الثائر الذي رفضت انسانيته هذا الواقع المشبوه ليقف ممشوقا بأغانيه وألحانه الحزينة منتصبا برايته وأحلامه في وجه هذا العالم الجاحد وأنظمته الجوفاء والممرات الآمنة التي أفرغت البلاد من أهلها كما هو حال البحر الذي حفظ طعم الرعب في جثث الغرقى الباحثين عن سلام مجهول في مدائن البرد والديمقراطية الزائفة وجلاده الذي ما فتئ يزعم أن هنالك مؤامرة كونية لإزاحته عن صراعه المشروع في المقاومة ومواجهة الكيان الاسرائيلي الغاصب لهضبة الجولان والأراضي الفلسطينية كما يتردد يوميا على لسان مسئوليه وإعلامه المصاب على أقل تقدير بالفصام الذهني وهذيان السلطة، وأن كل الذين قتلوا على مذبحه مجرد أشباح لا ذكر لهم وزيف لا يحتمل الانكار أو الاعتراف بوجوده أصلا.
رحل هذا الرجل الذي فقد أخوته على مدار الصراع الدموي الدائر هناك والكثير من أقاربه وأهله وأصدقائه وجيرانه حاله حال الكثير ممن لم تتح لهم الفرصة في الظهور على الملأ ليقدم نموذجا أصيلا وحرا لفلسفة الثائر السوري البسيط الحالم بالحرية المنشودة بعيدا عن كل ترهات السياسة وحسابات القادة الميدانيين والولائم التي كانت تجمع المنظرين على طاولة الدم السوري كي يتنافخوا في ما بينهم على أحقيتهم في تصدر المشهد الكلي للثورة المنكوبة، رحم الله الساروت وكل الذين سقطوا شهداء على مذبح الحرية فربما ينصفك التاريخ ويمنحك وسام الانسانية الصماء الذي لم تعد بحاجة له رغم كل هذا العار الذي شكل موتنا السوري.
هاني جبر / فلسطين




