بين فقدان الشغف والبيروقراطية.. لماذا خسر البحث العلمي في النمسا كفاءات سورية؟

بعد مرور عشر سنوات على موجة اللجوء الكبيرة في عام 2015، لا يزال العديد من الباحثين والأطباء الذين لجأوا إلى النمسا بعيدين عن تخصصاتهم المهنية الأصلية. وبينما نجح البعض في اجتياز العقبات البيروقراطية، يجد آخرون أنفسهم في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم الأكاديمية العالية، فيما يصفه الخبراء بظاهرة “هدر العقول” (Brain Waste)، بحسب وكالة الأنباء النمساوية (APA).
يصف حمدي الصفوري، اختصاصي علم وراثة النبات البالغ من العمر 53 عاماً، العمل في البحث العلمي بأنه يشبه دخول غرفة مظلمة للبحث عن أشياء لا تُرى بالعين المجردة، حيث يقول: “تتحسس طريقك في الغرفة، وعندما تجد شيئاً ما، يكون ذلك شعوراً جميلاً للغاية”. يفتقر الصفوري، اليوم إلى القدرة على ممارسة فضوله المهني، وهو الذي كان يرأس سابقاً قسم التكنولوجيا الحيوية النباتية في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية التابعة لوزارة الزراعة في دمشق.
وعلى الرغم من حصوله على درجة الدكتوراه، إلا أن محاولاته المتكررة للاستقرار مجدداً في قطاع البحوث في النمسا باءت بالفشل. فبعد فترة قصيرة من العمل في مشروع بحثي مؤقت بجامعة الموارد الطبيعية وعلوم الحياة (Universität für Bodenkultur)، يعمل الصفوري، منذ ثلاث سنوات كتربوي في الأوقات الحرة بإحدى المدارس الابتدائية في فيينا.
وتعليقاً على هذه الحالات، توضح Judith Kohlenberger، باحثة الهجرة في جامعة الاقتصاد في فيينا (Wirtschaftsuniversität Wien)، أن اللجوء كشكل غير منتظم من الهجرة غالباً ما يؤدي إلى فقدان المكانة المهنية. وتضيف أن عملية “النوستريفيكاتسيون” (Nostrifikation) -وهي عملية الاعتراف بالشهادات الأجنبية- في النمسا تعد “طويلة ومضنية بشكل خاص” مقارنة بالمعايير الدولية، مما يدفع العديد من الكفاءات، لاسيما الأطباء السوريين، إلى مغادرة النمسا والتوجه نحو ألمانيا.
وفي سياق متصل، يشير الطبيب محمد يعقوب، اختصاصي أمراض الأعصاب البالغ من العمر 42 عاماً، إلى العزلة التي عانى منها الباحثون والأطباء في بداية وصولهم. يعقوب، الذي تمكن من إتمام عملية المعادلة ويعمل منذ عام 2020 كطبيب أخصائي في فيينا، يصف “الحلقة المفرغة” التي يقع فيها اللاجئ؛ حيث يؤدي البقاء في المنزل وفقدان التواصل مع القطاع المهني إلى تآكل الشغف والتحفيز بمرور السنين.
وكان Yacob قد بدأ مسيرته في النمسا مطلع عام 2015 في مقاطعة كيرنتن، حيث عمل في مستشفى Landeskrankenhaus Villach كمتدرب ثم كموظف علمي في مشاريع بحثية، وهو ما أتاح له شبكة تواصل مهنية ساعدته على النجاح في مسار المعادلة.
وتبرز المفارقة في التعامل السياسي مع الكفاءات، حيث استحدثت النمسا مؤخراً منحاً دراسية للباحثين القادمين من الولايات المتحدة الأمريكية الذين واجهوا ظروف عمل صعبة منذ تولي دونالد ترامب منصبه في يناير 2025. وبينما يتم الترحيب بهؤلاء تحت مسمى “استقطاب العقول” (Brain Gain) رغم عدم إتقانهم للغة الألمانية، يواجه الأطباء والعلماء السوريون تعقيدات بيروقراطية شديدة.
وينقل Yacob عن زملائه السوريين الذين وصلوا معه في ذات الفترة أن الكثيرين منهم تركوا الطب والبحث العلمي تماماً؛ حيث يقول: “أعرف أحدهم يعمل اليوم سائق تاكسي، وهذا أمر مؤسف لأن النمسا تعاني من نقص في الأطباء”.
من جانبه، لم يفقد حمدي الصفوري الأمل تماماً، فهو لا يزال يتابع إعلانات الوظائف في الجامعات النمساوية بانتظام، آملاً في العودة إلى مختبره يوماً ما. وفي الوقت الحالي، يستمتع بإجراء التجارب العلمية البسيطة مع تلاميذ المدرسة، الذين باتوا يلقبونه بـ “الأفضل في الرياضيات” بعد أن أدركوا خلفيته العلمية كدكتور وباحث.



