كيف يوازن الائتلاف بين التقشف والإصلاح؟.. الحكومة النمساوية أمام اختبار “تربيع الدائرة” مع مفاوضات الميزانية المزدوجة

النمسا ميـديـا – فيينا:
دخلت المفاوضات حول الميزانية المزدوجة للسنوات 2027 و2028 في النمسا مرحلتها الحاسمة على مستوى قيادات الائتلاف الحكومي المكون من حزب الشعب (ÖVP)، والحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPÖ)، وحزب نيوس (NEOS)، مع تبقي نحو ثلاثة أسابيع فقط للتوصل إلى اتفاق قبل الموعد المقرر لخطاب الميزانية الذي سيلقيه وزير المالية Markus Marterbauer في 10 يونيو المقبل. ويشير الخبير السياسي Peter Filzmaier إلى أن الحكومة تواجه ما وصفه بـ “تربيع الدائرة”، حيث يتطلب الوضع إصلاحات هيكلية صعبة لتقليص عجز الميزانية والامتثال لقواعد الاتحاد الأوروبي، وذلك في ظل ضغوط متزايدة من مجموعات المصالح ونقص الفرص المتاحة لخيارات التقشف السهلة التي تم استنفادها في الميزانية السابقة.
وانتقلت المفاوضات فعلياً إلى أعلى المستويات في الأيام الأخيرة، بالتزامن مع ارتفاع أصوات جماعات المصالح التي تطالب بالحفاظ على مستويات التمويل الحالية أو زيادتها، ومنها حركة “Fridays for Future” التي تخطط لتنظيم إضراب مناخي للمطالبة بزيادة الإنفاق على سياسة المناخ. ووفقاً لـ Filzmaier، فإن إعداد الميزانية، التي تصل في شكلها المطبوع إلى ارتفاع يصل لـ 30 سنتيمتراً، يتطلب حسم بنودها في غضون ثلاثة أسابيع.
ويعد الإطار العام للمفاوضات “صعباً للغاية”، حيث تشير الدراسات إلى أن الحكومات غالباً ما تفقد نقاطاً مئوية في الانتخابات بسبب حزم التقشف، بينما تظل القضية المحورية للائتلاف هي ضمان وجود أغلبية برلمانية مستقبلاً في ظل قوة حزب FPÖ. وأضاف Filzmaier أن خيارات التوفير البسيطة قد استُنفدت في الميزانية المزدوجة الأولى، مما يجعل تقليص الإنفاق مشروطاً بإجراء إصلاحات هيكلية، خاصة في مفاوضات “شراكة الإصلاح” (Reformpartnerschaft) التي تشمل الحكومة الاتحادية والولايات والبلديات.
وتبرز خلافات جوهرية في مناهج العمل؛ حيث يسعى الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPÖ) إلى تحقيق هدف تقليص العجز الجديد عبر زيادة الإيرادات، بينما يرفض حزب الشعب (ÖVP) وحزب نيوس (NEOS) هذا التوجه. ويستهدف وزير المالية Marterbauer تغطية ثلثي احتياجات التوفير من خلال خفض النفقات، وثلثها عبر إيرادات إضافية. ومع ذلك، يثني Filzmaier على الطابع المهني للمفاوضات التي استمرت كـ “نقاش موضوعي” (Sachdebatte) بعيداً عن تسريبات الضغط الإعلامي، واصفاً هذه المرحلة بأنها “اختبار حقيقي” (Elchtest) للائتلاف الحكومي.
وحول ملف الإصلاح، يرى Filzmaier أن الصورة تحمل وجهين؛ فالكأس “نصف ممتلئ” لأن نقاشات الإصلاح تجاوزت التوقعات وكسرت “محرمات” (Tabus) مثل اقتراح ترتيب الاختصاصات في قطاع الصحة. لكن الكأس “نصف فارغ” لغياب نتائج ملموسة حتى الآن، مع التأكيد على أن مفاوضات الولايات لن تُختتم إلا بعد إقرار الميزانية، رغم الحاجة لإدراج مبادئ توجيهية في الميزانية المزدوجة مسبقاً.
وعلى صعيد الأرقام، تسعى النمسا لخفض عجز الميزانية من 4.2% في عام 2025 إلى “أقل من 3%” بحلول عام 2028، وهو السقف الذي حدده الاتحاد الأوروبي، والذي تجاوزته النمسا عام 2024 بنسبة 4.7%، مما دفع المجلس الأوروبي لبدء إجراءات العجز ضدها. ويشير “ميثاق الاستقرار” المتفق عليه مع الولايات في نوفمبر الماضي إلى ضرورة خفض العجز تدريجياً، حيث يحدد Marterbauer حجم التوفير المطلوب للعامين المقبلين بنحو 2.5 مليار يورو، مشدداً على أن الوصول إلى هذا الهدف يزداد صعوبة مع استنفاد سبل التوفير السهلة سابقاً.



