موجة الحر تضع 400 ألف عامل في الهواء الطلق بالنمسا تحت ضغوط صحية خطيرة
النمسا ميـديـا – فيينا:
تفرض موجة الحر الحالية ضغوطاً شديدة واستثنائية على نحو 400,000 شخص من العمال الذين يؤدون مهامهم في الهواء الطلق في النمسا. وتتحول درجات الحرارة المرتفعة سريعاً في مواقع البناء والتشييد إلى خطر يهدد سلامة وصحة العمال، لا سيما مع الارتفاع الملحوظ في معدلات وقوع الحوادث الناجمة عن الإجهاد الحراري.
ولا يوجد في النمسا حق كفله القانون يمنح العمال في مواقع البناء عطلة رسمية بسبب الحر الشديد (Hitzefrei). ومع ذلك، تتيح لائحة تنظيمية خاصة إمكانية تعليق العمل مؤقتاً بمجرد بلوغ درجة الحرارة 32.5 درجة مئوية، شريطة أن يصدر هذا القرار بأمر مباشر من صاحب العمل. وخلال ساعات التوقف عن العمل، لا يتقاضى العامل أجره المعتاد، وإنما يحصل بدلاً من ذلك على تعويض مالي يعادل 60% من قيمة الأجر، يتولى صندوق إجازات ومكافآت نهاية الخدمة لعمال البناء (BUAK) تغطيته وصرفه.
انتقادات نقابية ومطالبات بتشريع ملزم
ومن جانبه، يرى رئيس نقابة عمال البناء والأخشاب (GBH) وعضو المجلس الوطني Josef Muchitsch (SPÖ) أن هذه اللائحة الاستثنائية لا تُستغل في الواقع العملي إلا على نطاق ضيق للغاية. وأوضح في مقابلة مع شبكة ORF.at أن اللائحة طُبقت خلال العام الماضي لمرة واحدة على الأقل على عامل بناء واحد فقط من بين كل أربعة عمال.
وطالب Muchitsch بتفعيل هذه اللائحة بشكل مكثف، وضمان إنهاء العمل بعد مرور سبع أو ثماني ساعات قبل الدخول في الفترة الأكثر سخونة من اليوم؛ مشيراً إلى أنه في كثير من الأيام شديدة الحرارة يستمر العمل دون أي توقف حتى الساعة 14:00 أو 15:00 ظهراً. وإلى جانب ذلك، تطالب النقابة بإقرار قانون ملزم يفرض تسريح العمال بشكل إجباري بمجرد وصول درجة الحرارة إلى 30 درجة مئوية.
لائحة الحماية من الحرارة غائبة في التطبيق
وفي الحالات التي يستمر فيها العمل رغم اشتداد الحر، تفرض “لائحة الحماية من الحرارة” المعمول بها منذ مطلع العام الحالي إلزام أصحاب العمل بتقييم المخاطر في المواقع المفتوحة وتحديد التدابير الوقائية اللازمة. وبموجب اللائحة، يصبح تطبيق هذه التدابير إجبارياً فور إصدار هيئة الأرصاد الجوية “GeoSphere Austria” تحذيراً من المستوى الثاني (أي عندما تصل درجة الحرارة المحسوسة إلى أكثر من 30 درجة مئوية). وأفادت وزارة الشؤون الاجتماعية بأن الأولوية تعطى لإجراءات مثل ترحيل ساعات العمل، وتقليل الأنشطة المجهدة بدنياً، أو تعديل جداول التشغيل.
وفي المقابل، صرحت الغرفة الاقتصادية النمساوية (WKO) لشبكة ORF.at بأن التعامل الفعال مع الحرارة يجري في الواقع من خلال تعديلات تنظيمية وتدابير تقنية مثل التظليل، والتهوية، والتبريد، إلى جانب مرونة تنظيم العمل. وأكدت الغرفة أن الاتفاقيات الطوعية على مستوى الشركات تحقق نتائج “ممتازة”، حيث يمكن للشركات والموظفين تنسيق فترات راحة أطول وتعديل أوقات العمل بناءً عليها.
ومع ذلك، كشفت حصيلة نصف سنوية صادرة عن وزارة الشؤون الاجتماعية لتقييم تطبيق اللائحة أنه تم رصد 491 مخالفة خلال أكثر من 700 عملية تفتيش؛ وتمثلت المخالفة الأكثر شيوعاً في غياب التقييم المطلوب للمخاطر، يليه عدم وضوح التدابير المعتمدة، وهو ما دفع Muchitsch للتأكيد على أن اللائحة “لم تُطبق بعد بشكل كافٍ”.
مبادرات كبرى شركات المقاولات
وتعليقاً على الأزمة، أعلنت شركة STRABAG، التي تعد واحدة من أكبر مجموعات المقاولات في البلاد، لوكالة الأنباء النمساوية (APA) عن توفير حزمة تدابير واسعة النطاق تشمل تقديم مناشف التبريد، ووسائل الحماية من الشمس، والمشروبات للعاملين، فضلاً عن إجراءات تنظيمية مثل الفترات المنفصلة للراحة وترحيل ساعات العمل إلى الأوقات الأكثر برودة. وبدورها، أوضحت شركة Porr للمقاولات أنها تعتمد على تدابير تشمل “التظليل، وتوفير مناطق راحة مبردة، وتكييف كبائن الرافعات والسيارات، وتأمين مياه الشرب، وتدوير المهام الوظيفية، ملابس الحماية من الأشعة فوق البنفسجية، النظارات الشمسية، وكريمات الوقاية”، بالإضافة إلى تزويد العمال بعصابات رأس مبردة وواقيات للعنق.
ويرى ممثل العمال Josef Muchitsch أن تزايد موجات الحر يتطلب مستقبلاً إقرار نماذج مرنة ل ساعات العمل السنوية؛ بحيث تتقلص ساعات العمل في فصل الصيف والأيام الحارة، مقابل زيادتها في الفصول الأخرى والأيام المعتدلة، بما يضمن توازن الإنتاج على مدار العام ويحافظ على صحة العمال لفترة أطول. وتأتي هذه التحركات في وقت باتت فيه الحرارة أحد أكبر المخاطر الصحية المرتبطة بالمناخ؛ حيث سجلت النمسا في صيف عام 2024 نحو 1,100 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة وفقاً لبيانات الصندوق النمساوي للتأمين الصحي (ÖGK)، والتي أكدت أن معدلات الوفيات ترتفع بشكل ملحوظ عن المتوسط العام طويل الأجل خلال موجات الحر الشديدة.