قبل انطلاق إصلاح 2027.. تحذيرات من تحول ملف “المساعدة الاجتماعية” في النمسا إلى ساحة صراع أيديولوجي وحزبي


النمسا ميـديـا – فيينا:
أصدر “مؤتمر مكافحة الفقر” (Armutskonferenz) اليوم الأربعاء تقريراً جديداً وشاملاً كشف فيه 700 خبير من واقع الممارسات الاجتماعية عن ثغرات متزايدة الخطورة في منظومة “المساعدة الاجتماعية” (Sozialhilfe) بالنمسا. وفند التقرير، المكون من 110 صفحات، واقع تأمين سبل العيش للمستحقين، مؤكداً أن ما يُفترض به أن يكون شبكة الأمان الأخيرة للمجتمع بات يعاني من فجوات “تزداد اتساعاً بكل تأكيد” تعجز معها المنظومة عن مواجهة الفقر بفعالية. وفي المقابل، تفاعلت وزارة الشؤون الاجتماعية مع هذه الانتقادات بالإشارة إلى وجود “تنسيق مكثف” بشأن الإصلاحات المرتقبة.
البيروقراطية والعشوائية الإدارية تعصف بطلبات المساعدة الاجتماعية
انتقد الخبير في السياسات الاجتماعية بمنظمة “دي اكوني” (Diakonie) والشريك المؤسس للمؤتمر، Martin Schenk، تحول المساعدة الاجتماعية إلى ما يشبه “الصدقة الأخيرة” بدلاً من الاعتراف بها كشبكة أمان وحق في دولة الرفاهية ضد مخاطر الحياة كالمرض والبطالة. وجاءت تقييمات الإجراءات الإدارية في التقرير كأقوى نقاط الضعف؛ حيث وُصفت الطلبات بالمعقدة للغاية، وفترات البت بطويلة جداً، والبيروقراطية بـالعالية، وسط مطالبات بفرض مهلة حتمية مدتها شهر واحد لاتخاذ القرار. كما رصد التقرير عشوائية وتفاوتاً شديداً في التعامل بين الولايات وحتى بين الموظفين أنفسهم، مما يجعل نيل المساعدة رهناً بمدى تعاطف الموظف المسؤول.
مخاوف من تراجع المنظومة إلى السبعينات و”سباق نحو القاع” في الخصومات
أعرب Schenk عن قلقه البالغ قائلاً: “إننا نرتد من حيث العقلية واللوائح إلى حقبة السبعينات”، مشدداً على أن الإجراءات يجب أن تكون قائمة على الحقوق الأساسية وصديقة للمواطن، في حين يغيب الدعم والمشورة الفردية وتلجأ السلطات فوراً إلى خفض النفقات. وأشار الخبير إلى أن ولايات النمسا السفلى، والنمسا العليا، وشتايرمارك قد استبقت الإصلاح الاتحادي بفرض “خصومات هائلة”. ووصف هذا التوجه بـ “السباق نحو القاع” للتنافس على من يقدم أسوأ وأقسى المعاملات للأكثر فقراً، وسط إطلاق تصريحات سلبية متعمدة بحق المستفيدين.
الأطفال والمتقاعدون هم الضحية الأكبر وتفنيد الأرقام الرسمية
دحض التقرير التصورات السياسية والإعلامية الشائعة التي تركز فقط على متلقي المساعدات القادرين على العمل. وأظهرت البيانات الإحصائية أن القادرين على العمل يمثلون 34% فقط من المستفيدين، في حين أن الغالبية العظمى والتي تبلغ 58% لا تتوفر في سوق العمل أساساً، وهم من الأطفال، والمتقاعدين، والمرضى، بينما تصنف النسبة المتبقية (8%) ضمن فئة “العاملين الفقراء” (Working Poor). وأوضح Schenk أن ذريعة استهداف اللاجئين وطالبي اللجوء تُستخدم لتمرير الخصومات، لكنها في الواقع تضرب الفئات الأكثر ضعفاً كذوي الإعاقة، والمرضى، والأمهات العازبات.
مستقبل “المساعدة الاجتماعية الجديدة” وموقف وزارة الشؤون الاجتماعية
تدخل منظومة المساعدة الاجتماعية مرحلة إصلاح جديدة تحت مسمى “المساعدة الاجتماعية الجديدة” (Sozialhilfe neu) والمقرر انطلاقها في الأول من يناير 2027، بعد تحولات متعاقبة شهدتها في عامي 2010 و2019. وفي هذا السياق، يطالب 90% من الخبراء بإعادة اعتماد “الحدود الدنيا القياسية” بدلاً من “الحدود القصوى المعمول بها حالياً” لضمان مرونة الدعم الفردي. ومن جانبها، صرحت وزارة الشؤون الاجتماعية لـ ORF.at أن المفاوضات الجارية تسعى لتوحيد المنظومة في كافة أنحاء النمسا لضمان نظام يدعم بدقة ويظل مستداماً، مؤكدة على لسان الوزيرة Korinna Schumann أن الهدف هو عدم ترك المواطنين في مواجهة الأزمات بمفردهم، مع إبقاء إجراءات التمويل والبت تحت صلاحية الولايات.



