“الغرب لا يشن حرباً ضد إيران بل ضد المسلمين”.. تحقيق نمساوي يكشف ملايين التعليقات الموجهة لتوجيه سردية حرب إيران في أوروبا

النمسا ميـديـا – فيينا:

كشف تحقيق صحفي قاده التلفزيون النمساوي الرسمي ORF بالتعاون مع اتحاد البث الأوروبي EBU، عن تعرض الحسابات الإخبارية لوسائل الإعلام الخدمية العامة في أوروبا لحملات بروباغندا إيرانية واسعة ومنظمة عبر آلاف الحسابات على منصة إنستغرام. وشمل التحقيق تحليل 12.8 مليون تعليق تحت المنشورات الإخبارية لـ 9 مؤسسات إعلامية بارزة في ألمانيا، فرنسا، إسبانيا، سويسرا، ليتوانيا، والنمسا، وهي: BR24، France 24، LRT، Zeit im Bild، RTVE، Swissinfo، RFI، Tagesschau، و ZDFheute. وأظهرت النتائج وجود حملات عابرة للقنوات وموجهة بشكل دقيق لخدمة أجندات مرتبطة بإيران.

برمجية نمساوية تكشف التنسيق الآلي

ولتنفيذ هذا التحقيق، طور التلفزيون النمساوي ORF برنامجاً خاصاً يحلل التعليقات على إنستغرام ويكشف المؤشرات الدالة على السلوك المنسق. وقام البرنامج بتجميع الحسابات التي تنشر تعليقات متشابهة في أوقات متقاربة ضمن شبكات محددة، ليقوم الصحفيون لاحقاً بفحص الحسابات الأكثر دبوماسية وتدقيقها. ورصد التحقيق في الفترة بين أبريل 2025 ومارس 2026 حملات مكثفة تزامنت مع التوترات العسكرية المرتبطة بإيران، حيث نشر 57 حساباً تعليقاً موحداً في غضون ثوانٍ قليلة تحت منشور لقناة Tagesschau الألمانية يقول: “الغرب لا يشن حرباً ضد إيران، بل ضد المسلمين في جميع أنحاء العالم!”. وبعد ساعات قليلة، ظهرت الرسالة ذاتها بدقة عبر 27 حساباً في قسم التعليقات التابع لقناة ZDFheute.

روبوتات تخدم رواية النظام الإيراني

واستهدفت هذه التعليقات المنظمة، التي تبين أن “الروبوتات” (Bots) هي من تقف وراءها، تقارير إخبارية تتناول إجلاء السياح الألمان من الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، أوضح Walter Posch، خبير الشؤون الإيرانية في الأكاديمية العسكرية للدفاع عن الوطن في النمسا، أن هذه الحملات تتوافق تماماً مع السردية الدعائية لطهران، حيث تحاول إيران إظهار نفسها كدولة رصينة تتعرض لهجوم ينتهك القانون الدولي، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه لا يمكن إثبات الجهة المحددة التي أصدرت التكليف بهذه الحملة.

معارضون حقيقيون يتحركون بالتنسيق

وعلى الجانب الآخر، رصد التحقيق تحركات منسقة أيضاً لمعارضي النظام الإيراني، لاسيما منذ شهر يناير الماضي. وتمثلت الفجوة الرئيسية بين هذه الحملات وحملات البروباغندا المؤيدة للنظام في أن حسابات المعارضين تبدو حقيقية وموثوقة؛ إذ يعود تاريخ إنشائها لسنوات، وينشر أصحابها تفاصيل من حياتهم اليومية، ويمكن العثور عليهم في منصات أخرى. ونشرت هذه الحسابات دعوات للاحتجاج مثل “كونوا صوت الشعب الإيراني!” بمئات اللغات تحت منشورات القنوات المستهدفة. وبدأت الموجة في 8 يناير على حساب France24 الناطق بالإنجليزية، لتنتقل في الأيام التالية كجدار من التعليقات عبر بقية القنوات الأوروبية قبل أن تهدأ أواخر يناير على منصة Swissinfo.

تلاعب بالذكاء الاصطناعي للهروب من الفلاتر

وكشفت التحريات الصحفية أن هذه المجموعات المعارضة تستخدم قنوات على تطبيق Telegram ومواقع إلكترونية توفر قوالب جاهزة للتعليقات. ولتجنب الحظر من قبل فلاتر منصات التواصل الاجتماعي، تتيح تلك المواقع استخدام الذكاء الاصطناعي لتعديل نبرة التعليق تلقائياً (مثل جعله يبدو “غاضباً” أو “ملحاً”)، مع توجيه النصائح للمستخدمين بتغيير بعض الكلمات أو إضافة رموز تعبيرية (Emojis). وحذر Alberto Fittarelli، الباحث في شؤون التضليل الإعلامي بجامعة تورونتو، من هذا الأسلوب قائلًا إن إغراق المنصات بتعليقات متشابهة يقصي أي رأي معارض أو وجهة نظر أخرى، مما يؤثر على القارئ المحايد ويوجهه نحو تبني هذا الموقف الموحد.

أنصار الملكية يشاركون بدعم “آلي”

وبرزت في التحقيق مجموعة أخرى تنشط عبر مختلف القنوات، وهم مؤيدو رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل. ووصف الخبير Walter Posch بهلوي بأنه تحول في السنوات الأخيرة إلى شخصية سياسية جادة يُنظر إليها كمنارة أمل وبمثابة تجسيد “للزمن الجميل السابق”. ونشر هؤلاء آلاف التعليقات المادحة له، إلا أن التحقيق رصد أيضاً مؤشرات على وجود دعم آلي (Bots) لبعض حملات بهلوي؛ حيث حددت قناة Tagesschau مجموعة مؤتمتة بالكامل تنشر بلا انقطاع وبفارق دقائق تعليقاً موحداً يحمل عبارة “King Reza Pahlavi”.

وعزا الباحث Alberto Fittarelli استهداف وسائل الإعلام الرصينة بهذه الحملات إلى رغبة المروجين في “وراثة” مصداقية هذه المؤسسات وجماهيريتها الكبيرة، لتبدو الرسائل الموجهة وكأنها تحظى بالشرعية والموثوقية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى