القضاء النمساوي يستعد لتثبيت حكم السجن مدى الحياة بحق سوري نفذ هجوم إرهابي في كارنتن ويستبعد ترحيله لبلاده
النمسا ميـديـا – كارنتن:
شهدت محكمة “فيلاخ” يوم الأربعاء الماضي صدور حكم غير نهائي بالسجن المؤبد بحق منفذ الهجوم الذي أسفر عن مقتل فتى يبلغ من العمر 14 عاماً وإصابة خمسة أشخاص آخرين بجروح خطيرة [cite: غياب الأسلحة الغامضة بعد العثور على أسلحة مسروقة في تارفيسيو.. شرطة كارنتن تبدأ تحقيقاً مكثفاً وتقتفي أثر شاحنة مفقودات]. وأثار هذا الحكم العديد من التساؤلات، لا سيما في وسائل التواصل الاجتماعي، حول المفهوم الفعلي لعقوبة “المؤبد” في هذه الحالة، ومطالبات بترحيله الفوري، وهو أمر تبين التحقيقات الصحفية أنه غير مرجح في الوقت الراهن.
ووفقاً لبحث أجراه الصحفي “كريستوف غلانتشنيغ” (Christof Glantschnig) من هيئة الإذاعة والنمساوية (ORF) في كارنتن، فإن للمدان مهلة ثلاثة أيام للتفكير تبدأ من يوم الخميس دون احتساب عطلة نهاية الأسبوع. ونظراً لأن الشاب السوري أعلن عقب صدور الحكم مباشرة تنازله عن تقديم أي طعون قانونية، وتوقع عدم اعتراض المدعية العامة على العقوبة القصوى التي طالبت بها بنفسها، فإنه من المتوقع تماماً أن يصبح الحكم نهائياً وباتاً بحلول الساعة 0:00 من منتصف ليل يوم الثلاثاء المقبل.
النقل إلى سجن شديد الحراسة خارج كارنتن
أمام وزارة العدل النمساوية مهلة ستة أسابيع لتحديد السجن الذي سيقضي فيه الجاني عقوبته. ومن المؤكد أنه لن يبقى في سجن “كلاغنفورت”، بل سينقل إلى زنزانة خاصة في سجن شديد الحراسة، مثل سجن “شتاين” في النمسا السفلى، أو “غراتس-كارلاو” في شتايرمارك، أو “سوبين” في النمسا العليا . وأوضح القضاء أن المدان لن يُودع في مركز للعلاج النفسي الشرعي؛ فرغم عدم إبدائه أي ندم على فعلته، أكد الخبير الطبي للمحكمة أنه سليم تماماً من الناحية النفسية و”لا يوجد لديه ما يستدعي العلاج”.
الإفراج المشروط والترحيل مستبعدان عملياً
من الناحية القانونية، تتيح أحكام السجن المؤبد للمحكومين تقديم طلب للإفراج المشروط بعد قضاء 15 عاماً كحد أدنى، حيث يرى بروفيسور القانون الجنائي في لينتز، “ألويس بيركباور” (Alois Birklbauer)، أن عدم منح السجين أي أفق مستقبلي يتعارض مع حقوق الإنسان. وفي الواقع، يخرج نحو نصف المحكومين بالمؤبد بعد قضاء حوالي 20 عاماً، بشرط وجود تقرير سلوكي إيجابي يؤكد عدم عودتهم للعنف. إلا أن هذا الاحتمال يبدو مستحيلاً في حالة هذا الجاني الذي صرح علانية بأنه مستعد للقتل مجدداً في أي وقت.
أما ما يخص المطالبات بترحيله إلى سوريا، فإن القانون النمساوي يشترط قضاء نصف العقوبة على الأقل في النمسا قبل إمكانية تفعيل مفهوم “قضاء العقوبة في الوطن”، وهو نظام يطبق غالباً مع دول الاتحاد الأوروبي. وأفادت وزارة العدل بعدم وجود أي اتفاقيات ثنائية مع سوريا، مما يعطل عمليات نقل السجناء حالياً. ورغم مساعي النمسا لتعزيز هذا المفهوم، إلا أنه يظل معقداً، والجدير بالذكر أن فيينا رحّلت منذ يوليو الماضي ثلاثة مدانين إلى سوريا، ولكن بعد انقضاء كامل محكوميتهم، وسط انتقادات حادة من الأمم المتحدة.
تعويضات رمزية للضحايا وصندوق دعم حكومي
قضت المحكمة بمنح الضحايا وعائلاتهم تعويضات مالية جزئية عن الأضرار النفسية والجسدية بلغت قيمتها الإجمالية حوالي 85 ألف يورو. ووصف رئيس المحكمة هذه المبالغ بأنها “ستظل مجرد رقم رمزي مقارنة بحجم المعاناة التي عاشها هؤلاء الشباب”. وفي هذه القضية تحديداً، سيبقى التعويض رمزياً على الورق فقط نظراً لأن الجاني لا يملك أي ثروة أو أموال لتدبيرها. وبناءً على ذلك، سيعتمد المتضررون على التعويضات لمرة واحدة المتاحة عبر قانون ضحايا الجرائم، إلى جانب الاستفادة من صندوق الدعم والرعاية النفسية والاجتماعية الذي أسسته إدارة وزارة الشؤون الاجتماعية عقب الهجوم.
معضلة التطرف الفردي ومسؤولية منصات التواصل
فتحت القضية باب النقاش حول إمكانية منع مثل هذه الجرائم مستقبلاً، وجاءت الخلاصة غير مطمئنة؛ إذ يصعب توفير حماية كاملة بنسبة 100% ضد “ذئب منفرد” ليس لديه ارتباطات تذكر مع تنظيمات على الأرض، وإنما تطرف بشكل كلي بمفرده نتيجة استهلاك مقاطع فيديو على منصة “تيك توك” (TikTok) حتى تولدت لديه قناعة بالقتل بوصفه مقاتلاً يتبع لتنظيم داعش. وتتوجه أصابع الاتهام هنا بشكل مباشر نحو المسؤولية القانونية والأخلاقية لمنصات التواصل الاجتماعي؛ حيث إن المواد المتطرفة التي شاهدها الجاني لا تزال متاحة للجميع حتى اليوم، وتعمل خوارزميات هذه المنصات على توجيه المستخدم الذي يبدي اهتماماً أولياً نحو محتويات أكثر تشدداً تبثها حسابات لخطباء الكراهية بشكل تلقائي ومتزايد.



