الى وزير الداخلية النمساوي كارنر.. لماذا التنظيف وليس الأطباء؟
بقلم: د. تمام كيلاني
النمسا ميـديـا – فيينا:
تابعت باهتمام تصريح وزير الداخلية النمساوي الذي تساءل فيه: “من سيقوم بتنظيف بعض المستشفيات إذا لم يعد هناك سوريون؟”، في معرض حديثه عن دور السوريين في المجتمع النمساوي وسوق العمل.
ورغم أنني أفهم أن الوزير أراد التأكيد على أهمية مساهمة السوريين في مختلف القطاعات، إلا أنني استغربت اختيار مثال “تنظيف المستشفيات” تحديداً، دون الإشارة إلى آلاف السوريين الذين يعملون في القطاع الصحي النمساوي كأطباء وأطباء أسنان وصيادلة وممرضين وباحثين ومهنيين صحيين.
ففي النمسا وحدها يوجد أكثر من 500 طبيب وطبيب أسنان وصيدلي من أصول سورية، نجح معظمهم في اجتياز إجراءات معادلة الشهادات الصعبة، وتعلم اللغة الألمانية بمستويات عالية، والانخراط الكامل في النظام الصحي النمساوي. ويشغل عدد منهم اليوم مناصب أطباء اختصاصيين، وأطباء مسؤولين (Oberärzte)، كما يدير آخرون عيادات خاصة أو عيادات متعاقدة مع نظام التأمين الصحي.
هؤلاء لم يأتوا إلى مواقعهم بالمصادفة، بل بعد سنوات طويلة من الدراسة والتدريب والاندماج والعمل الجاد. وهم اليوم جزء من البنية الصحية النمساوية ويساهمون يومياً في علاج آلاف المرضى في المدن والأرياف على حد سواء.
ولعل الأهمية الحقيقية لهذه المساهمة تظهر بشكل أوضح في الولايات والمناطق خارج فيينا، حيث تعاني النمسا منذ سنوات من نقص متزايد في الكوادر الطبية، وهو تحدٍ معروف لدى المؤسسات الصحية وصناع القرار. وقد ساهم الأطباء السوريون بشكل ملموس في سد جزء من هذا النقص وضمان استمرارية الخدمات الصحية في العديد من المستشفيات والمراكز الطبية.
ومن المفيد هنا التذكير بما شهدته ألمانيا مؤخراً من نقاش واسع حول احتمال عودة الأطباء السوريين إلى بلادهم، حيث أبدى سياسيون وخبراء صحيون قلقهم من تأثير مغادرة أكثر من خمسة آلاف طبيب سوري على النظام الصحي الألماني، نظراً للدور الحيوي الذي يقومون به في المستشفيات والعيادات الألمانية.
إن تقدير مساهمة السوريين في النمسا أمر إيجابي ومطلوب، لكن هذا التقدير ينبغي أن يعكس الصورة الكاملة. فالسوريون يعملون في مختلف المهن والاختصاصات، من العاملين في الخدمات إلى الأكاديميين والمهندسين ورواد الأعمال والأطباء والصيادلة. وكل هذه المساهمات تستحق الاحترام والاعتراف.
لذلك كنت أتمنى أن يكون المثال المختار عند الحديث عن مساهمة السوريين في المستشفيات هو الطبيب الذي يعالج المرضى، أو الصيدلي الذي يؤمن الدواء، أو الباحث الذي يساهم في تطوير المعرفة الطبية، تماماً كما نستذكر كل العاملين الآخرين الذين يؤدون أدواراً أساسية في المجتمع.
إن قوة النمسا كانت دائماً في قدرتها على الاستفادة من الكفاءات والخبرات، وفي تقدير الإنسان على أساس عطائه ومهنيته وإسهامه في الصالح العام، بغض النظر عن أصله أو مكان ولادته.
د. تمام كيلاني
رئيس اتحاد الأطباء والصيادلة العرب في النمسا
رئيس الجمعية الطبية الأوروبية العربيه