سقوط شبح “جريمة فيجلمولر”بفيينا.. اعتقال القاتل المحترف لعشائر “شكالياري” البلقانية في ريميني بايطاليا
النمسا ميـديـا – فيينا:
نجحت السلطات الأمنية، في إطار تعاون استخباراتي دولي واسع، في إلقاء القبض بمدينة ريميني الإيطالية على المدعو Mili B.، المتهم الرئيسي بتنفيذ جريمة الاغتيال الشهيرة التي وقعت قبل نحو ثماني سنوات في قلب العاصمة فيينا وعُرفت إعلامياً بـ “جريمة فيجلمولر” (Figlmüller-Mord). وتكشف هذه الخطوة عن فصول جديدة من حرب المخدرات الدامية المستعرة بين عشائر البلقان المنظمة، والتي حوّلت عواصم أوروبية، من بينها فيينا، إلى ساحات خلفية لتصفية الحسابات وإدارة تجارة الكوكايين بمليارات اليورو.
تفاصيل اغتيال “فيجلمولر” المروع في قلب فيينا
تجرّ مأساة هذه الجريمة إلى يوم الجمعة، 21 ديسمبر 2018، وسط أجواء التسوق المزدحمة قبيل أعياد الميلاد في الممر المشاة الضيق بين Bäckerstraße وWollzeile. حيث كان الضحية Vladimir R. (31 عاماً)، وهو كriminيل منحدر من الجبل الأسود (مونتنيغرو) ومرتبط بعشيرة “كافاتش” (Kavač)، يتناول الغداء في مطعم السنايتزل الشهير “Figlmüller” برفقة صديقين له. وكان Vladimir R. قد فرّ إلى فيينا قبل ثلاثة أيام فقط من الحادث للاختباء من أعدائه عقب خروجه من أحد سجون البلقان. وعند مغادرتهم المطعم في تمام الساعة 13:30، باغته قاتل محترف بإطلاق خمس رصاصات على الأقل، استقرت في رأسه مباشرة ليرديه قتيلاً على رصيف الشارع وسط حالة ذعر عامة، بينما أصيب أحد مرافقيه بجروح خطيرة ونجا الآخر، واختفى القاتل كـ “شبح” لسنوات.
سقوط القاتل في ريميني الإيطالية
ظل المتهم Mili B.، المصنف دولياً كـ “قاتل محترف رفيع المستوى” لصالح عشيرة “شكالياري” (Škaljari) المنافسة، متوارياً عن الأنظار ومدرجاً على قوائم النشرات الحمراء لإنتربول منذ عام 2020. وجاءت نقطة التحول عندما رصدت أجهزة الأمن شقة تعود لمواطن روسي غير مسكونة في مدينة ريميني، لكنها تسجل استهلاكاً غير طبيعي للطاقة الكهربائية. وعقب مراقبة دقيقة، ارتكب المتهم خطأً فادحاً بتحريك ستارة النافذة للحظة، مما كشف هويته للمحققين. وفي 11 مايو، حاصرت الشرطة الإيطالية المجمع السكني واقتحمت الشقة، حيث استسلم المتهم دون مقاومة، وعُثر بحوزته داخل أريكة على هواتف محمولة، سكين كبّاس، هراوة تليسكوبية، ووثائق مزورة. وتجري النيابة العامة في فيينا حالياً إجراءات تسلّمه لمحاكمته في النمسا، رغم مقاومته القانونية ووجود مذكرة توقيف أخرى بحقه من الجبل الأسود.
“كافاتش” و”شكالياري”.. حرب العشائر المليارية
تأسست المافيا البلقانية وتطورت شبكات تهريبها في تسعينيات القرن الماضي مستغلة الحروب الإقليمية وضعف الهياكل الحكومية، وبدأت لاحقاً بالسيطرة على شحنات الكوكايين القادمة من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا. وينتمي الخصمان اللدودان، عشيرتا “Kavač” و”Škaljari”، إلى قريتين متجاورتين لا تبعدان عن بعضهما سوى ست دقائق بالسيارة بالقرب من مدينة كوتور الساحلية في الجبل الأسود. وفي عام 2014، اندلع خلاف دموي بينهما في مدينة فالنسيا الإسبانية بسبب اختفاء شحنة كوكايين تزن 200 كيلوغرام. ومنذ ذلك الحين، خلفت حرب التصفيات المتبادلة وعمليات التعذيب ما لا يقل عن 80 قتيلاً موثقاً في البلقان وأوروبا، وسط تقديرات أمنية بأن الرقم الحقيقي يتجاوز المئات. وكان الضحية Vladimir R. صديقاً مقرباً من زعيم عشيرة “كافاتش” Radoje Zvicer المتواري حالياً والمطلوب دولياً (بما في ذلك من النمسا بتهمة تهريب 83 كيلوغراماً من الكوكايين النقي).
اختراق تشفير “SkyECC” يكشف المستور في النمسا
لعب التطور التكنولوجي دوراً حاسماً في تعقب هذه التنظيمات، وتحديداً عقب نجاح السلطات القضائية والأمنية الأوروبية (يوروبول) في اختراق تطبيق المراسلة المشفر الشهير “SkyECC” الذي كان يُعد “واتساب العصابات”. ومكّن هذا الاختراق المحققين من قراءة ملايين الرسائل الحية وإحباط 114 جريمة قتل مخططة في أوروبا. وفي النمسا، تتولى فرقة العمل الخاصة “AG Achilles” التابعة للمكتب الفيدرالي للشرطة الجنائية تحليل هذه البيانات منذ عام 2021. وتمكنت الفرقة حتى الآن من ربط العشائر بتهريب 47 طناً من المواد المخدرة، وأسفرت العمليات عن 500 اعتقال وصدرت أحكام قضائية محلية بالسجن بلغت في مجموعها 1300 عام.
فيينا.. الملاذ الآمن والمركز اللوجستي للمافيا
تشير التحقيقات والتقارير الصحفية، ومنها تصريحات الصحفية المتخصصة Jelena Jovanović، إلى أن العاصمة النمساوية فيينا لم تُستغل كساحة قتال مباشرة، بل حُوِّلت من قِبل العشائر إلى “مركز لوجستي ومالي، ومحطة للقاءات وإدارة العلاقات الدولية” وتخزين كميات ضخمة من المخدرات والأموال السائلة داخل “شقق مخبأة” (Bunkerwohnungen) تُسجل بأسماء وهمية مستغلة حجم الجالية البلقانية الكبيرة للتخفي. وتستعين عشيرة “كافاتش” في فيينا بشبكات منظمة تابعة لعصابات مخدرات جزائرية لتوزيع السموم. وبحسب محادثات “SkyECC” المخترقة، خططت عشيرة “شكالياري” لتنفيذ هجوم انتقامي مرعب في شارع Ottakringer Straße بفيينا في فبراير 2020 عبر لصق عبوة متفجرة بسيارة قيادي من “كافاتش”، إلا أن ضعف بطارية التفجير حال دون تدمير نصف الشارع. كما فشلت محاولة أخرى بعدها بأسبوعين للاستعانة بقاتلين مأجورين تم استقدامهما من كولومبيا لتصفية الهدف داخل مقهى صربي في فيينا بسبب عوائق في الترجمة الفورية عبر وسيط في الإكوادور، قبل أن يفرض إغلاق كورونا شللاً على تحركاتهم.
مكافحة الفساد وعقبات الانضمام للاتحاد الأوروبي
أحدثت ملفات “SkyECC” هزة سياسية وقضائية عنيفة في دول البلقان، إذ كشفت عن تغلغل خطير للمافيا داخل أجهزة الأمن والقضاء عبر الرشاوي والفساد. ويقبع حالياً مدعون عامون وضباط شرطة رفيعو المستوى في الجبل الأسود رهن الاحتجاز بتهمة التلاعب بتقارير “يوروبول” لحماية أفراد عشيرة “كافاتش”. وفي serbia، اضطر مدير الشرطة مؤخراً للاستقالة جراء الكشف عن تواصله وتستره على زعماء من العالم السفلي. ويُمثل ملف مكافحة الجريمة المنظمة والفساد حالياً العقبة الأساسية والشرط الحاسم في مفاوضات انضمام الجبل الأسود وصربيا إلى الاتحاد الأوروبي.



