النمسا تتجه لشرعنة تجميد البويضات “لأسباب اجتماعية” بحلول عام 2027 ومسودة القانون تقترب من الجاهزية

النمسا ميـديـا – فيينا:
أظهرت دراسة حديثة نُشرت يوم الثلاثاء تزايداً ملحوظاً في معدلات العقم بين النساء على مستوى العالم، وهو ما يعزوه الباحثون إلى تأخر الرغبة في الإنجاب وتراجع الخصوبة المرتبط بتقدم السن. وفي هذا السياق، يتزايد الطلب بشكل لافت على تقنية “تجميد البويضات لأسباب اجتماعية” (Social Egg Freezing)، والتي تعني تجميد البويضات دون وجود دواعي طبية. ومن المتوقع أن يصبح هذا الإجراء متاحاً ومسموحاً به في النمسا اعتباراً من ربيع عام 2027، حيث تعكف الحكومة حالياً على صياغة مشروع قانون ينظم العملية، وهو ما يراه الخبراء خطوة هامة، محذرين في الوقت ذاته من توهم أن هذه التقنية تضمن “إنجاب طفل مؤكد”.
وتكشف البيانات القادمة من الدول المجاورة للنمسا عن تنامٍ كبير في هذا التوجه؛ ففي ألمانيا جرى توثيق نحو 4300 دورة علاجية لتجميد البويضات في عام 2024، وهو ما يمثل أكثر من ثلاثة أضعاف الأرقام المسجلة في عام 2019. أما في سويسرا، فقد تضاعف عدد النساء اللواتي قمن بتجميد بويضاتهن الخاصة لأكثر من ثلاث مرات بين عامي 2019 و2023. وفي المقابل، لا تتوفر أرقام دقيقة في النمسا نظراً لأن هذا الإجراء لا يزال محظوراً حتى الآن. ومع ذلك، فإن هذا الوضع القانوني سيتغير قريباً بعد أن ألغت المحكمة الدستورية العليا (VfGh) الحظر في خريف عام 2025، ملزمةً الحكومة بوضع إطار قانوني جديد بحلول الأول من أبريل 2027.
مشروع القانون “شبه جاهز” والوزارة تنتظر حسماً قضائياً
تتولى وزارة الصحة، التي تقودها الـ SPÖ، مسؤولية إعداد مشروع القانون الجديد. وأفادت الوزارة يوم الاثنين بأن المسودة باتت شبه جاهزة، لكن لا يزال يتعين انتظار قرار المحكمة الدستورية العليا بشأن إتاحة “تجميد البويضات لأسباب اجتماعية” للنساء العازبات. ويأتي هذا الانتظار لأن إلغاء الحظر يمنح جميع النساء الحق في سحب بويضاتهن وتجميدها، إلا أن علاجات الخصوبة والإخصاب بموجب القانون الحالي في النمسا تقتصر فقط على الأزواج والمرتبطين.
وأوضحت الباحثة في العلوم الاجتماعية المتخصصة في الصحة الإنجابية، Johanna Kostenzer، أن غياب الشريك العاطفي يعد السبب الرئيسي لإقدام النساء على تجميد بويضاتهن، إلى جانب عوامل أخرى مثل الانشغال بالتعليم المستمر أو عدم الاستقرار المهني والمادي. وأشارت إلى أن النساء العازبات غالباً ما يصفن هذه الخطوة بأنها تمنحهن “سلاماً نفسياً” وتقلل من الضغوط التي يواجهنها أثناء البحث عن شريك الحياة.
تحولات في أعمار المقبلات على التجميد وتحذيرات من “الأمان الزائف”
من جانبه، أشارت الطبيبة Corinna Mann، التي تدير عيادة للخصوبة في ميونخ وتستقبل العديد من المريضات القادمات من النمسا، إلى حدوث تحول في الفئات العمرية للمقبلات على تجميد البويضات. فبينما كان الإجراء يقتصر سابقاً على النساء في أواخر الثلاثينيات كفرصة أخيرة للإنجاب، باتت العيادات تستقبل حالياً نساءً أصغر سناً في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات يسعين لتأمين خططهن المستقبلية. وعزت الطبيبة ذلك إلى زيادة الوعي بالموضوع عبر شبكات التواصل الاجتماعي والإنفلونسرز.
ورغم المزايا، حذرت الطبيبة من المبالغة في التوقعات، مؤكدة أن تجميد البويضات لا يقدم “ضمانة لولادة طفل”. ورغم أن فرص الحمل تكون أعلى باستخدام بويضات أصغر سناً، إلا أن الحمل في سن متأخرة ينطوي على مخاطر صحية أكبر. وفي هذا الصدد، طالبت الباحثة Kostenzer بوضع قواعد صارمة للإعلانات المتعلقة بهذه التقنية لضمان عدم وقوع النساء في فخ “الأمان الزائف”.
تكاليف مرتفعة ونقاش حول وضع حد أقصى للسن
من جهتها، اقترحت وزيرة العائلة Claudia Bauer (ÖVP) وضع حد أقصى للسن يتراوح بين 45 و50 عاماً لزراعة البويضات المجمدة، وهو ما تراه Kostenzer منطقياً من الناحية الجسدية، لكنه يثير تساؤلات قانونية نظراً لأن عمليات التلقيح الاصطناعي في النمسا متاحة حالياً دون سقف عمري محدد.
وأكدت الخبيرة أن هذه التقنية لا تستهدف عامة الناس، بل تقبل عليها غالباً نساء ذوات تعليم عالٍ يعشن في مناطق حضرية ويتمتعن باستقرار مالي. وتعتبر التكلفة المادية عائقاً رئيسياً؛ إذ تبلغ تكلفة الدورة العلاجية الواحدة لسحب البويضات نحو 3000 يورو (وقد تتطلب العملية أكثر من دورة)، تضاف إليها تكاليف تخزين سنوية تبلغ حوالي 350 يورو، فضلاً عن تكاليف التلقيح الاصطناعي اللاحقة بعد مرور سنوات.
مخاوف من الضغوط المهنية ومطالبات بالتوعية الشاملة
أكدت وزارة الصحة النمساوية على أهمية حرص القانون على ضمان حرية اختيار المرأة وحمايتها من “الضغوط الاجتماعية والمهنية”. وتُعيد هذه النقاشات إلى الأذهان خطوة شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى مثل Apple وFacebook في عام 2014 عندما تحملت تكاليف تجميد البويضات لموظفاتها. ورغم أن تلك الخطوات جاءت ضمن حزم مزايا تشمل رعاية الأطفال والتبني، إلا أنها أثارت مخاوف من إمكانية دفع النساء لتأجيل مخططاتهن الأسرية لصالح العمل.
وفي الختام، دعت Kostenzer إلى عدم حصر قضية التخطيط العائلي بالنساء وحدهن، مشيرة إلى أن خصوبة الرجال تتراجع أيضاً مع تقدم السن، وإن كان بمعدل أقل. وطالبت الخبيرة بتوفير مزيد من التوعية العامة حول تطور الخصوبة على مدار الحياة لتمكين الأفراد من اتخاذ قرارات مدروسة ومبنية على معرفة دقيقة.