عشر سنوات من أبحاث اللجوء في النمسا.. تأسيس علمي رصين يواجه تجاهلاً من صُنّاع السياسية

وضعت حركة النزوح الكبرى التي شهدتها أوروبا حول عام 2015 الأنظمة السياسية والمجتمعات أمام تساؤلات جوهرية وجديدة، وفي إطار البحث عن إجابات دقيقة، استُدعي العلم ليكون طرفاً في المعادلة. وبعد مرور عشر سنوات على تلك الأحداث، ترسخ في النمسا حقل بحثي جديد بالكامل، لكن القائمين عليه يتساءلون اليوم بحسرة: لماذا يُمنحون هذا القدر الضئيل من الاهتمام في الدوائر السياسية؟
وبحسب وكالة الأنباء النمساوية (APA)، يتحدث العلماء عما يسمى “مسح الاستجابة السريعة” (Rapid Response Survey) عندما تتطلب الظروف تحركاً بحثياً فورياً، وهو ما حدث في أواخر صيف عام 2015 حينما لجأ آلاف الأشخاص إلى النمسا. كانت الأسئلة تدور حول: أي حياة تركها هؤلاء خلفهم؟ لماذا هم هنا؟ وهل يرغبون في البقاء؟ وللإجابة على ذلك، قام فريق بقيادة عالم الديموغرافيا Wolfgang Lutz بإجراء استطلاع ميداني مباشر مع المتضررين.
أبحاث اللجوء أمام “عتبة الدار”
كانت Judith Kohlenberger إحدى الباحثات في ذلك الفريق، وتستذكر تلك المرحلة قائلة: “من منظور علمي بحت، كان من المثالي بالنسبة لنا أن طالبي اللجوء وُضعوا في البداية في مراكز إيواء جماعية كبيرة. فإذا قضى فريق البحث بضعة أيام في مثل هذا المركز، يمكنه إجراء مسح شامل تقريباً”. ومع ذلك، تطلبت العملية حساسية بالغة؛ فالدراسات الديموغرافية تتضمن أسئلة عن الحالة الاجتماعية وعدد الأطفال، وتضيف Kohlenberger: “كان هؤلاء الأشخاص قادمين من دول تشهد حروباً أهلية، وكثيراً ما كان يحدث أن يقول أحدهم: كان لدي ثلاثة أطفال، والآن لدي اثنان فقط”.
هذا القرب من الأحداث جعل أبحاث اللجوء تنطلق بقوة في المنطقة الناطقة بالألمانية كفرع مستقل، متجاوزة كونها مجرد جزء من علوم الهجرة. وفي النمسا، أصبحت Judith Kohlenberger الوجه الأبرز لهذا العلم، وتولت هذا العام رئاسة معهد الأبحاث المنشأ حديثاً “لأبحاث وإدارة اللجوء والهجرة” (FORM) في جامعة الاقتصاد بفيينا (WU Wien)، وهو أول معهد يدرج مصطلح “أبحاث اللجوء” في اسمه بشكل صريح.
التمويل كمحرك للتأسيس
رافق الاهتمام بموضوع اللجوء تدفق أموال الأبحاث على المستويين الوطني والأوروبي. وتستذكر Birgit Glorius، التي تبحث في شؤون اللجوء بجامعة شمنيتز التقنية (TU Chemnitz) في ألمانيا، أن التمويل السخي ساعد في تأسيس هذا الفرع العلمي. وتشير Kohlenberger إلى أن السياسة في ذلك الوقت هي من طرقت باب العلم، مطالبة بأبحاث كمية توفر أرقاماً وبيانات وحقائق، بينما احتاج الواقع أيضاً إلى تحليلات نوعية معمقة.
وتؤكد Glorius أن هذا التطور كان مدفوعاً جزئياً بـ “العقلانية الاقتصادية”، حيث نشأت كراسي أستاذية في الجامعات، وعُقدت مؤتمرات، وتأسست شبكات بحثية جمعت باحثين من تخصصات مختلفة، مثل Glorius التي هي في الأصل عالمة جغرافيا. ولكن، رغم كل هذه المعرفة المتراكمة، هل وصلت هذه المعلومات إلى المجتمع والسياسة؟
الفجوة بين العلم والسياسة
تجيب الباحثة Kohlenberger بـ “لا” واضحة، مشيرة إلى أن المجتمع العلمي يتساءل منذ فترة: “أين أخفقنا؟”. وتوضح أن هذا التناقض بين الحالة التجريبية للأبحاث وبين الجدل القائم حول الهجرة يشغل العلماء كثيراً، ويتساءلون عما إذا كان الخلل في طريقة التواصل أو في نوعية الأسئلة المطروحة.
وتضيف Kohlenberger: “أفهم بالطبع أن اتخاذ القرار السياسي لا يمكنه دائماً اتباع العلم بحذافيره، وعليه مراعاة الأنظمة الاجتماعية الأخرى وآراء الأغلبية في الديمقراطية. لكن في قضايا معينة مثبتة تجريبياً، يجب القول إن هذا ليس مجرد رأي، بل حقيقة نعرف نتائجها الأفضل اقتصادياً”. وتضرب مثالاً على ذلك بالنقاشات السياسية حول إجراءات اللجوء في دول ثالثة (مثل رواندا)، مؤكدة أن الباحثين الذين يعرفون الحقائق التجريبية لا يجدون في ذلك حلاً ناجعاً.
كما تشير إلى مقترح “المدرسة المشتركة” للأطفال من سن 10 إلى 14 عاماً، حيث أظهرت دراسات عديدة أن هذا النظام يساعد الأطفال من خلفيات اجتماعية وعرقية مختلفة على الاندماج بشكل أفضل، منتقدة استمرار “توريث التعليم” في عائلات المهاجرين بالنمسا، بينما أشادت بقرار إدخال سنة حضانة ثانية إلزامية.
السياسة المحلية مقابل السياسة الفيدرالية
من جانبها، تصف Birgit Glorius من جامعة TU Chemnitz التجربة خلال العقد الماضي بـ “المحبطة”، خاصة عند رؤية جمود الأنظمة وعدم قدرتها على الاستجابة للمواقف الاستثنائية بشكل خاص، منتقدة تقديم “معاملة نمطية” فقط للشباب من ذوي خلفيات اللجوء في المدارس.
ومع ذلك، تبدو Glorius أكثر تفاؤلاً فيما يخص القرارات القائمة على الأدلة على المستوى المحلي، لأنها تتعامل بشكل مباشر مع رؤساء البلديات ومسؤولي الاندماج الميدانيين. وتؤكد أن هؤلاء الأشخاص يملكون نظرة براغماتية لمهماتهم، ويتمنون لو أن السياسة على المستوى الفيدرالي تعترف بواقع أن “المجتمع يتشكل من خلال الهجرة” بعيداً عن الشعبوية، خاصة فيما يتعلق بتمويل مشاريع الاندماج. وتخلص الباحثة إلى أن نتائج أبحاث اللجوء تجد صدى أكبر وقبولاً أوسع على مستوى البلديات مقارنة بالمستويات العليا.



