الذكاء الاصطناعي يقتحم استطلاعات الرأي: خبراء يحذرون من “دجل رقمي” يهدد دقة النتائج في النمسا

النمسا ميـديـا – فيينا:

وصلت الطفرة الكبيرة التي تشهدها تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى مجال استطلاعات الرأي العام. وبات يُستعان بما يُعرف بـ “العينات الاصطناعية”، وهي إجابات يجري توليدها عبر الذكاء الاصطناعي، بهدف تمثيل المجموعات السكانية التي يصعب الوصول إليها في الاستبيانات التقليدية بشكل أفضل. ومع ذلك، يرى خبراء وباحثون في هذا المجال أن استخدام هذه الطريقة في الوقت الراهن يعد “دجلًا ومخاطرة جسيمة تفتقر إلى المسؤولية”.

آلية تقنية بسيطة ومنهجية محاكاة

تُعرف هذه الآلية في المصطلحات التقنية باسم “Silicon Sampling” أو “Synthetic Sampling” (العينات الاصطناعية). وعوضاً عن إجراء مقابلات هاتفية أو استطلاعات عبر الإنترنت مع بشر حقيقيين، يتولى نموذج الذكاء الاصطناعي تقمص أدوار المشاركين ويقوم بمحاكاة إجاباتهم. وتأتي هذه الخطوة في وقت تتراجع فيه شعبية الاستطلاعات الهاتفية، بينما تُحاط الاستطلاعات الرقمية بمخاوف أمنية بسبب انتشار البرمجيات الآلية (Bots). وتتيح النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) للشركات توليد بيانات تحاكي الردود البشرية بكسر صغير من التكلفة والوقت مقارنة بالوسائل التقليدية.

وفي هذا السياق، أوضح Stefan Szeider، بروفيسور المعلوماتية في الجامعة التقنية (TU) في فيينا ورئيس مجموعة الأبحاث المعنية بالخوارزميات والتعقيد ومدير “مركز فيينا للمنطق والخوارزميات”، في حديثه مع موقع ORF.at، أن المنهجية الأساسية بسيطة للغاية من الناحية التقنية. إذ يتم تزويد النموذج اللغوي بأوصاف تفصيلية دقيقة لشخصيات افتراضية، وبناءً على البيانات التي تدرب عليها، يجيب النموذج عن الأسئلة محاكياً آراء تلك المجموعات. ويضرب الخبير مثالاً على ذلك بتوجيه أمر للنموذج: “أنت طالبة تبلغ من العمر 25 عاماً تعيش في فيينا وتتنقل بالدراجة الهوائية، ما هو الحزب الذي ستنتخبينه في الانتخابات المقبلة؟”.

عيوب تقنية ومخاوف من تعزيز الاستقطاب

ورغم تأكيد Stefan Szeider أن التكنولوجيا قادرة مبدئياً على تقديم هذه الخدمة، إلا أن “الشيطان يكمن في التفاصيل”. فدقة الإجابات تعتمد كلياً على حجم المعلومات المتوفرة عن تلك المجموعات في بيانات التدريب. وتكمن الصعوبة في أن بيانات التدريب المتاحة على الإنترنت لا تمثل جميع الفئات السكانية بشكل عادل؛ حيث إن أغلب المحتوى الرقمي مكتوب من قِبل الرجال. علاوة على ذلك، تُظهر الأبحاث الحالية أن العينات الاصطناعية تؤدي إلى نتائج أكثر استقطاباً مقارنة بالاستطلاعات التقليدية.

انتقادات لاذعة: “ليست علماً حقيقياً”

من جانبه، وصف Christoph Hofinger، المدير التنفيذي لمعهد Foresight لأبحاث الانتخابات، هذه العينات الاصطناعية بأنها “دجل وهراء”. وأضاف أنه وفقاً للوضع الحالي للأبحاث، فإن تطبيق هذه الطريقة يعد مجازفة غير مسؤولة ولا يمت للعلم الحقيقي بصلة، وإن كان لا يستبعد إمكانية دمجها كمنهجية تكميلية بعد عدة سنوات. ويرجع ذلك إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي تعكس الماضي فقط، ولا يمكنها رصد التغيرات الطارئة على قناعات الناس أو تبدل طرق التعبير. كما أن الروابط في العينات الاصطناعية ضعيفة للغاية بحيث لا يمكن البناء عليها. وأكد Christoph Hofinger أن أي تحول في الآراء نتيجة أحداث جديدة لا يمكن رصده بدقة إلا من خلال استطلاعات رأي حقيقية مع البشر.

ويتوافق هذا الطرح مع رأي Jakob-Moritz Eberl، باحث شؤون الديمقراطية في معهد الصحافة وعلوم الاتصال بجامعة فيينا، الذي أشار إلى أنه في الأوقات التي تبرز فيها الأهمية القصوى لاستطلاعات الرأي – أي في فترات التحول والديناميكية والشك – تكون الإجابات الاصطناعية غير مفيدة تماماً. واستشهد بتجربة أجراها فريق باحثين بقيادة Leah von der Heyde لتطبيق هذه المنهجية في الانتخابات البرلمانية الألمانية الأخيرة وانتخابات الاتحاد الأوروبي لعام 2024، مؤكداً أن التوقعات فشلت تماماً في الحالتين وجاءت النتائج مخيبة للآمال.

تفاقم مشكلة التمثيل والتحيزات الاجتماعية

يسود اعتقاد بأن العينات الاصطناعية قد تحل مشكلة تمثيل الفئات التي يصعب الوصول إليها تقليدياً، مثل الأشخاص المناهضين للممارسات الديمقراطية أو الفئات ذات المستويات التعليمية المنخفضة. لكن الباحث Jakob-Moritz Eberl وصف هذا التصور بالـ “مثير للسخرية”، مؤكداً أن الفئات المهمشة لا تُنشط الشمولية بالتوقف عن الحديث معها، بل إن النماذج اللغوية تميل بدلاً من ذلك إلى إعادة إنتاج الصور النمطية المجتمعية والعنصرية الهيكلية ضد الأقليات. وشاركه في الرأي الاقتصادي Christoph Hofinger، محذراً من أن الخطر الأكبر يكمن في منح هذه النماذج “شعوراً زائفاً بالأمان واليقين” بدلاً من تقديم إجابة صادقة تعترف بالجهل.

أزمة ثقة ومعايير الجودة في النمسا

وحذر Jakob-Moritz Eberl من أزمة ثقة قد تصيب معاهد الاستطلاع المرموقة في حال اعتمادها على الذكاء الاصطناعي، لا سيما في النمسا التي شهدت نقاشات عامة محتدمة في السنوات الأخيرة حول قضايا تلاعب باستطلاعات الرأي. ونظراً لأن الجمهور قد يخلط بين البيانات الاصطناعية والاستطلاعات الحقيقية، شدد الباحثان على الأهمية البالغة للالتزام بمعايير الجودة الصارمة الصادرة عن اتحاد معاهد أبحاث السوق والآراء (VdMI) في النمسا، داعيين وسائل الإعلام إلى توخي الحذر الشديد عند تفسير النتائج.

تقنية في المهد وتطبيقات تجارية كبرى

على الرغم من أن التقنية لا تزال في “مراحلها الأولى” بحسب Stefan Szeider، إلا أن العوائد الاقتصادية والمغريات في مجالات أبحاث السوق والتسويق هائلة وقد توفر مليارات اليوروهات. وتوقع Stefan Szeider أن تكون هذه الأدوات مستخدمة بالفعل على نطاق واسع تجارياً. وفي هذا الصدد، أعلن معهد Ipsos لأبحاث الرأي أنه يعمل بالتعاون مع جامعة ستانفورد على تطوير “نسخ افتراضية للمشاركين الحقيقيين” لريادة هذا المجال، مؤكداً عدم استخدام البيانات الاصطناعية إلا في النطاقات التي خضعت لاختبارات صارمة وثبتت فعاليتها. كما تعاونت مؤسسة Gallup في الولايات المتحدة مع شركة Simile المتخصصة في الذكاء الاصطناعي لإنشاء “توائم رقمية” بهدف تعميق فهم السلوك البشري وليس استبداله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى