ثمانون عاماً على طرود CARE.. كيف أنقذت المساعدات الأمريكية النمسا من مجاعة ما بعد الحرب العالمية الثانية
النمسا ميـديـا – فيينا:
تمر اليوم الذكرى الثمانون لوصول أولى حزم المساعدات الغذائية الإنسانية التابعة لمنظمة “CARE” إلى النمسا المدمرة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان الجوع والفقر يلقيان بظلالهما على البلاد كافة في تلك الحقبة. ووصفت المؤرخة Barbara Stelzl-Marx هذه الحزم بأنها كانت “حجر فسيفساء جوهري وأساسي” لدعم النمسا ومساندتها في مرحلة إعادة الإعمار اللاحقة. ورغم أن المنظمة لا تزال ترسل مساعداتها إلى مناطق الأزمات حول العالم، إلا أن طبيعة ومكونات هذه الطرود تغيرت لتواكب العصر.
عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وتحرير النمسا على يد قوات الحلفاء في مايو 1945، عانت البنية التحتية والاقتصاد والصناعة من دمار شبه كامل، وواجه الناجون شبح التشرد والجوع والأوبئة. وتوضح Stelzl-Marx، البروفيسورة في التاريخ الأوروبي المعاصر بجامعة غراتس ورئيسة معهد “لودفيغ بولتزمان” لأبحاث آثار الحرب، أن السنوات الأولى بعد الحرب كانت “مرحلة العوز الأكبر”، لا سيما في المراكز الحضرية مثل فيينا وغراتس. وبلغت الأزمة ذروتها بدفوع إطلاق المستشار Karl Renner آنذاك نداءً عاجلاً ودون تأخير في 20 مايو 1945 إلى قوى الاحتلال محذراً من كارثة جوع وأوبئة وشيكة.
أثارت هذه المعاناة موجة تضامن واسعة في الولايات المتحدة، مما دفع بإنشاء منظمة CARE رسمياً في 27 نوفمبر 1945 لتوحيد جهود المساعدات الخاصة. وفي 19 يوليو 1946، استقبل الرئيس Karl Renner أول عشرة طرود كهدية شخصية من الرئيس الأمريكي Harry Truman. وكانت هذه الطرود، المصممة أصلاً لإعالة جندي أمريكي لمدة عشرة أيام، تحتوي على الأرز والدقيق والمعلبات ومسحوق البيض والحليب المجفف، إلى جانب الملابس والبطانيات والأدوات المدرسية. وحتى عام 1955، استقبلت النمسا نحو مليون طرد بقيمة إجمالية بلغت 9.9 مليون دولار، ما ساهم في مساعدة واحد من بين كل سبعة مواطنين نمساويين، وتقديراً لهذه الجهود رشح مجلس الوزراء النمساوي المنظمة لنيل جائزة نوبل للسلام عام 1949.
وتركت هذه المساعدات أثراً نفسياً وعميقاً في نفوس النمساويين كـ “رمز للأمل” ومؤشر على أن العالم لم ينسهم، مما أسهم في تحسين الصورة الذهنية للأمريكيين. وتروي هيرتا شيندل البالغة من العمر 86 عاماً، والتي هُجرت طفلةً من السوديت، كيف أن وصول أول طرد لمنزل والديها بالتبني في فيينا عام 1948 أبكى العائلة بأكملها من شدة الفرح بعد سنوات من الجوع والتشرد. واليوم، تغيرت استراتيجية منظمة CARE؛ إذ لم تعد الطرود تحتوي على الأغذية التي باتت تُشترى محلياً عبر دعم مالي، بل أصبحت تركز على توفير مستلزمات عملية طارئة مثل المشمعات والحبال لبناء الملاجئ، ومواد تنقية المياه، وأدوات النظافة الصحية، والمصابيح الشمسية.