10 آلاف سجين في زنازين تتسع لـ 8 آلاف فقط.. الأرقام تكشف عمق الأزمة في النمسا
النمسا ميـديـا – النمسا السفلى:
تشهد السجون النمساوية أزمة خانقة غير مسبوقة تضعها على شفا الانهيار الكامل، جراء الاكتظاظ الشديد في الزنازين، والنقص الحاد في الكوادر البشرية، وتقليص الميزانيات المتاحة، وهو ما دفع إدارة سجن Justizanstalt Stein في مقاطعة النمسا السفلى إلى تقليص عملياتها وتشغيل السجن بالحد الأدنى ليوم الأربعاء الماضي لعدة ساعات، وسط تحذيرات شديدة اللهجة من نقابة حراس السجون باتخاذ إجراءات تصعيدية مماثلة في مقاطعات أخرى مثل سالزبورغ، وسط إجماع من الخبراء على ضرورة إعادة صياغة منظومة تنفيذ العقوبات بالكامل.
حوادث مأساوية تكشف عيوب المنظومة
أعادت سلسلة من الحوادث المأساوية التي وقعت خلال الأشهر القليلة الماضية تسليط الضوء على الأوضاع المتردية داخل المؤسسات العقابية النمساوية؛ حيث توفي سجين يعاني من مرض نفسي عقب نقله إلى سجن Hirtenberg، في حين أقدم سجين آخر على الانتحار داخل سجن Justizanstalt Stein في النمسا السفلى. وفي مقاطعة سالزبورغ، قام نزيل يبلغ من العمر 24 عاماً بتهديد أحد الضباط قبل أن يشعل النار في زنزانته، وهي حوادث يراها المتابعون أعراضاً لخلل هيكلي مزمن يعود لسنوات من إهمال نقص الموظفين وتزايد أعداد النزلاء. وفي هذا السياق، أكد Hans Anglberger، ممثل نقابة حراس السجون في سالزبورغ، أن العاملين ليسوا سبب الأزمة، بل هو “فشل ذريع للنظام”، مشيراً إلى أن المطالب بزيادة الوظائف أو تقليص أعداد السجناء قوبلت دائماً بتجاهل من الساسة.
أرقام قياسية وتجاوز للقدرات الاستيعابية
توضح الإحصاءات الرسمية الأخيرة حجم الضغط الرهيب الذي تواجهه السجون؛ إذ يقبع حالياً 10,096 شخصاً خلف القضبان، في حين أن السعة الاستيعابية الفعلية للمؤسسات العقابية النمساوية لا تتسع سوى لـ 8,442 نزيلاً فقط. ويظهر هذا التكدس بجلاء في سجن سالزبورغ الواقع في منطقة Puch-Urstein (Tennengau)، والمصمم لاستيعاب 227 سجيناً، لكنه يضم حالياً 254 نزعلاً، ما يعني أن نسبة الإشغال تصل إلى 112%. ويتزامن هذا الاكتظاظ مع عجز كبير في الوظائف الشاغرة، حيث أوضح Anglberger أن سجن سالزبورغ يعاني منذ سنوات من أسوأ مؤشر للمقارنة بين عدد الموظفين وعدد النزلاء، مما يضطر الحراس إلى العمل لساعات إضافية مستمرة لضمان سير العمل القانوني.
واقع مرير وعمل مستمر دون عطلات
وصفت Claudia Gradinger، رئيسة نقابة السجون في مقاطعة النمسا السفلى والتي تعمل في هذا المجال منذ 26 عاماً، الوضع الحالي بأنه الأسوأ على الإطلاق، مشيرة إلى أن العمل الإضافي تحول من إجراء استثنائي لتغطية الإجازات المرضية إلى نظام يومي روتيني، لدرجة أن الحراس يعملون أحياناً لمدة ثلاثة أسابيع متواصلة دون الحصول على يوم عطلة واحد. وحذرت Gradinger من أن المنظومة مقبلة على كارثة مع حلول الصيف وفترة الإجازات الرئيسية، مؤكدة أن طبيعة العمل مع فئات صعبة تشكل ضغطاً نفسياً كبيراً على الموظفين الذين يرغبون في العودة إلى عائلاتهم بسلام، وأضافت: “إذا لم يتغير شيء قريباً، فإن النظام سينهار وسنصطدم مباشرة بالجدار”.
أسباب تفاقم الأزمة من منظور قانوني
يعزو الخبراء تفاقم الأزمة إلى عدة عوامل متشابكة؛ فبينما تسجل الشرطة معدلات قياسية في كشف الجرائم ويتزايد عدد السكان الإجمالي، يوضح Reinhard Klaushofer، بروفيسور القانون الدستوري والإداري في جامعة سالزبورغ، أن التوسع المستمر في تشريع عقوبات وجرائم جديدة دون إلغاء القديم منها يساهم مباشرة في رفع أعداد السجناء. كما أشار إلى تغير الثقافة المجتمعية نحو المطالبة بمزيد من التدابير الأمنية، وهو ما ينعكس على القضاء؛ حيث ارتفعت أعداد النزلاء من فئة الشباب في الحبس الاحتياطي بشكل مخيف من أرقام ثنائية منخفضة في الماضي إلى أرقام ثلاثية في الوقت الحالي.
رؤى لإعادة هيكلة السجون واعتماد “السجون الذكية”
وضعت اللجنة الاتحادية لتنفيذ العقوبات والتدابير التابعة لهيئة ديوان المظالم، برئاسة Reinhard Klaushofer، دراسة في خريف 2025 تضمنت توصيات عاجلة وحلولاً بعيدة المدى، شملت إصدار عفو عام عن السجناء الذين قضوا معظم عقوباتهم ولم يتبق لهم سوى فترات قصيرة لتقليص الأعداد سريعاً. وأكد Klaushofer أن الحلول طويلة المدى تتطلب وقتاً لبناء الكفاءات وتوظيف وتدريب الكوادر، داعياً إلى تبني أشكال بديلة مثل مفهوم “السجون الذكية” (Smart Prisons) التي تتيح للنزلاء استخدام الخدمات الرقمية لتعزيز إعادة إدماجهم في المجتمع، بالإضافة إلى تطبيق نماذج “Rescaled” لنزلاء سجون الأحداث من خلال إسكانهم في بيوت صغيرة مخصصة للرعاية المكثفة تشبه الشقق السكنية المشتركة.
تحديات البنية التحتية والتعاون الطبي
من جانبه، أوضح Dietmar Knebel، مدير سجن سالزبورغ، أن الحديث عن البنية التحتية الحديثة للسجن الذي بدأ تشغيله عام 2015 يتيح مرونة أكبر في التعامل مع زيادة النزلاء بفضل الغرف الواسعة، مقارنة بغالبية السجون النمساوية القديمة والمتهالكة التي تفاقم من حجم التحديات. ولمواجهة نقص الموظفين، تعتمد إدارة السجن على شراكات خارجية مثل التعاون مع قسم الطب النفسي للأطفال والشباب في مستشفيات سالزبورغ الحكومية، ونقل النزلاء الذين يعانون من اضطرابات نفسية حادة إلى عيادة Christian-Doppler-Klinik، مع تأكيده على الحاجة المستقبلية لبناء المزيد من أماكن الاحتجاز لاستيعاب المتطلبات المتزايدة.
الوعود السياسية ومواجهة طواحين الهواء
في المقابل، استجابت وزيرة العدل Anna Sporrer (SPÖ) للانتقادات المتزايدة بالإعلان عن خطة لتحديث السجون المتهالكة وتخفيف العبء عن كاهل المؤسسات العقابية، من خلال تفعيل مقترح اللجنة بالإفراج القصير والمؤقت عن السجناء المحكومين بمدد قصيرة والذين أظهروا نجاحاً في برامج إعادة التأهيل. ورغم الإعلان عن نية بناء سجنين جديدين، إلا أن هذه المشاريع لم تدرج بعد في الميزانية العامة للدولة، مما يترك الموظفين وإدارات السجون في حالة ترقب وانتظار، وهو ما لخصته Claudia Gradinger بقولها: “سأواصل محاربة طواحين الهواء، ولن أتوقف حتى يتحسن الوضع ولو قليلاً”.



