أزمة شفافية الأجور بالنمسا.. وزيرة العمل تحيل مسودة القانون للحكومة وسط انقسام حاد
النمسا ميـديـا – فيينا:
كان من المفترض أن تدخل توجيهات الاتحاد الأوروبي بشأن شفافية الأجور حيز التنفيذ في النمسا بحلول يوم الأحد، إلا أن الشركاء الاجتماعيين لم يتوصلوا إلى اتفاق في الوقت المحدد. وبناءً على ذلك، قامت وزيرة العمل Korinna Schumann (من الحزب الديمقراطي الاجتماعي SPÖ) يوم السبت، وكما أعلنت مسبقاً، بإرسال مسودة القانون ذات الصلة إلى التنسيق السياسي داخل الحكومة. ورغم الانتقادات الحادة التي وجهتها قطاعات الأعمال والشركات لهذه التوجيهات، فقد أكدت الوزارة أن المسودة المقدمة لا تحمل أي طابع استفزازي.
تفاصيل المسودة وتأثيرها على الشركات وحجم العمالة
أوضحت وزارة العمل أن النقاشات العديدة التي أُجريت مع الشركاء الاجتماعيين قد تم تضمينها في مسودة القانون. وجرى التوصل إلى حل وسط بشأن تقارير الدخل والرواتب؛ حيث سيلزم القانون الشركات التي تضم 100 موظف فأكثر فقط بتقديم هذه التقارير، وهو ما يمثل الحد الأدنى المتوافق مع توجيهات الاتحاد الأوروبي.
ووفقاً للمسودة، يتعين على الشركات التي يتراوح عدد العاملين فيها بين 100 و249 موظفاً تقديم التقرير كل ثلاث سنوات، في حين يصبح التقرير سنوياً وإلزامياً للشركات التي تضم 250 عاملاً فأكثر. وسيبقى المحتوى الحالي لتقارير الدخل سارياً؛ إذ يجب تحديد عدد الرجال والنساء في كل فئة وظيفية، ومتوسط الأجر لكل منهما خلال السنة التقويمية.
مراعاة الاتفاقيات الجماعية وحقوق المتقدمين للوظائف
تنص المسودة أيضاً على منح الموظفين حقاً فردياً في الاستعلام عن مستوى دخلهم الفردي، بالإضافة إلى معرفة متوسط أجر الموظفين الذين يؤدون عملاً مماثلاً أو ذا قيمة متساوية. وفيما يتعلق بإعلانات الوظائف – أو قبل المقابلات الشخصية في حال طلبات التوظيف الذاتية – يجب الإعلان عن الراتب المبدئي أو نطاقه (الحد الأدنى والأقصى)، لتمكين المتقدمين من الاستعداد الجيد لمفاوضات الراتب. وبموجب القانون الجديد، ستصبح أي بنود تمنع الموظفين من التحدث عن رواتبهم الخاصة باطلة وغير قانونية.
أما بالنسبة للشركات التي تلتزم بدفع الأجور وفقاً للاتفاقيات الجماعية (Kollektivvertrag)، فلن تكون ملزمة بتطوير هيكل أجور خاص بها، بل يمكنها الاعتماد مباشرة على نظام الأجور المعتمد في الاتفاقية الجماعية. وتهدف هذه الإجراءات إلى تسهيل الوصول إلى إجراءات التقاضي؛ حيث كانت قضايا التمييز في الأجور تسقط سابقاً بسبب غياب الأدلة الكافية للمطالبة بالفروق المالية. وستفرض العقوبات التي نصت عليها التوجيهات الأوروبية في صورة غرامات إدارية، لكنها لن تدخل حيز التنفيذ إلا بعد عام كامل، لمنح الشركات الوقت الكافي للاستعداد والامتثال.
انقسام سياسي واقتصادي حاد حول تطبيق القانون
تهدف توجيهات شفافية الأجور بالأساس إلى تقليص الفجوة في الأجور بين الجنسين (Gender Pay Gap). ومع ذلك، واجه التطبيق معارضة قوية خلال الأسابيع الماضية، حتى داخل الائتلاف الحاكم. وبينما يضغط كل من حزب SPÖ، وحزب الخضر، واتحاد النقابات النمساوي (ÖGB)، وغرفة العمل (AK) نحو تطبيق سريع للتوجيهات، أبدى ممثلو قطاع الاقتصاد مخاوف واضحة.
وتخشى الغرفة الاقتصادية النمساوية (WKO)، واتحاد الصناعات (IV)، والاتحاد الاقتصادي التابع لحزب الشعب (ÖVP-Wirtschaftsbund) من فرض أعباء بيروقراطية وتكاليف إضافية على الشركات. كما طالب حزب NEOS مؤخراً بإعادة النظر في المسودة وتعديلها، حيث وصف المتحدث باسم قطاع الاقتصاد في الحزب، Markus Hofer، التطبيق المتسرع في اللحظات الأخيرة بأنه “عمل عشوائي غير مدروس”.
وفي المقابل، دافعت وزارة العمل عن موقفها مؤكدة أن المفاوضات مستمرة منذ أكثر من عامين، وأن التطبيق الكامل للتوجيهات مدرج بالفعل في البرنامج الحكومي المشترك بين أحزاب ÖVP وSPÖ وNEOS. وسعت الوزارة إلى تبديد المخاوف من البيروقراطية بالإشارة إلى أن الشركات التي تضم 150 موظفاً فأكثر ملزمة بالفعل حالياً بإعداد تقارير الدخل، مع إعفاء الشركات الصغيرة تماماً من هذا الالتزام، فضلاً عن أن الشركات الحديثة الكبرى تمتلك هذه البيانات بالفعل لإدارة شؤون موظفيها.
ردود الفعل: هجوم من قطاع الأعمال وترحيب نقابي ومؤسسي
شنت الغرفة الاقتصادية النمساوية (WKO) يوم الأحد هجوماً حاداً على الوزيرة Schumann؛ وصرح أمينها العام Jochen Danninger معبراً عن رفضه القاطع لإحالة المسودة إلى التنسيق الحكومي دون التوصل إلى اتفاق بين الشركاء الاجتماعيين، وقال: “توجيهات الاتحاد الأوروبي لشفافية الأجور تهدد بالتحول إلى وحش بيروقراطي جديد يضر بمكانة النمسا الاقتصادية”. واعتبر أنه كان من الأهمية بمكان التفاوض على حل معقول بين ممثلي أصحاب العمل والموظفين، مبدياً عدم تفهمه مطلقاً لأسلوب الوزيرة الذي يتجاوز مصالح الشركاء الاجتماعيين ويتجاهل مخاوف المستثمرين المحليين.
وعلى النقيض من ذلك، حظيت الخطوة بتأييد واسع من غرفة العمل (AK) واتحاد النقابات (ÖGB). وأعربت رئيسة غرفة العمل، Renate Anderl، عن سعادتها “بأن الأمور بدأت تتحرك أخيراً في ملف شفافية الأجور”. وقالت سكرتيرة شؤون المرأة في اتحاد النقابات، Dorottya Kickinger: “نأمل في التوصل إلى اتفاق سريع لبدء العمل على التطبيق داخل الشركات”.
كما حظيت الخطوة بدعم وزيرة المرأة Eva-Maria Holzleitner (من حزب SPÖ) التي أشارت إلى البرنامج الحكومي، مؤكدة أن ما تم الاتفاق عليه هناك يجب أن يصبح حقيقة الآن، وقالت: “هذه أخبار جيدة لعدد لا يحصى من النساء في البلاد، فالأمر يتعلق بضمان وضوح التخطيط للشركات والموظفين على حد سواء”. ومن جانبهم، وجه حزب الخضر انتقادات لاذعة، ولكن بسبب عدم تطبيق التوجيهات حتى الآن؛ حيث انتقدت المتحدثة باسم شؤون المرأة في الحزب، Meri Disoski، سماح الحكومة الفيدرالية بمرور المهلة المحددة دون تنفيذ، معتبرة أن ما يحدث هو “مماطلة سياسية على حساب النساء” تؤدي إلى تأخير واحدة من أهم تدابير المساواة في السنوات الأخيرة.



