رعاية القصر من “اليوم الأول”.. النقطة المضيئة في إصلاحات اللجوء بـ النمسا
النمسا ميـديـا – فيينا:
دخلت إصلاحات نظام اللجوء المشترك للاتحاد الأوروبي (GEAS) حيز التنفيذ يوم الجمعة بعد سنوات من المفاوضات المعقدة، بهدف توحيد وتشديد القواعد الأوروبية، وإدخال آلية تضامن جديدة بين الدول الأعضاء. وفي هذا السياق، صرح مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الهجرة، Magnus Brunner، لوكالة الأنباء النمساوية (APA) أن هذه الإصلاحات تمثل “بداية لسياسة لجوء حازمة وعادلة”، وجزءاً أساسياً من “التحول الكبير في مجال الهجرة بأوروبا”.
من جانبه، وصف وزير الداخلية النمساوي Gerhard Karner (من حزب الشعب ÖVP) هذا الاتفاق بأنه “إنجاز بارز”، لكنه شدد على أنه ليس “عصا سحرية” لحل كافة الأزمات، في حين يرى خبراء ومحللون استطلعت آرائهم شبكة (ORF.at) أن القوانين الجديدة تحمل في طياتها تحسينات وتساؤلات، وتضع أعباءً إضافية هائلة على السلطات والمحاكم.
آلية الفرز والتدقيق كنقطة تحول رئيسية
تعتمد الإصلاحات الجديدة على الإبقاء على مبدأ “نظام دبلن”، الذي يحدد مسؤولية الدولة التي يدخل إليها المهاجر أولاً (مثل اليونان، إيطاليا، وإسبانيا) عن معالجة طلب اللجوء. ووفقاً للآلية الجديدة، سيتعين على أي شخص يصل إلى الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي – بما في ذلك المطارات النمساوية – أو يتم ضبطه داخل أراضي دولة عضو، أن يخضع لعملية فرز وتدقيق (Screening) في غضون أيام قليلة. وتشمل هذه العملية تحديد الهوية، وإجراء فحص طبي أولي، والتحقق من الفئات المستضعفة، بالإضافة إلى أخذ بصمات الأصابع والبيانات البيومترية لتسجيلها في قاعدة بيانات “EURODAC”. وأوضح Lukas Gahleitner-Gertz من جمعية (Asylkoordination) أن هذا الفرز يحدد مسار مقدم الطلب (إجراء عادي، إجراء حدودي، أو إجراء معجل)، مشيراً إلى أن هذا التوزيع لا يمكن الطعن عليه بشكل منفصل، مما يؤثر بشكل كبير على الحقوق الإجرائية للمتضررين وتقليص المهل القانونية.
إجراءات الحدود والمخاوف من “شروط شبه احتجازية”
تعتمد نوعية الإجراءات المتبعة على مدى فرص نجاح طلب اللجوء؛ فالمتقدمون من دول تزيد نسبة قبول طلبات مواطنيها في الاتحاد الأوروبي عن 20% (مثل السودان، أفغانستان، أو هايتي) يخضعون للإجراءات العادية. أما القادمون من دول تقل نسبة القبول فيها عن هذه العتبة، أو من يقدمون معلومات زرقاء كاذبة عن هوياتهم، فيتم توجيههم إلى الإجراءات السريعة أو إجراءات الحدود (Grenzverfahren) التي تستغرق 12 أسبوعاً كحد أقصى (وقد تمدد إلى 16 أسبوعاً في الحالات الاستثنائية)، ويُستثنى منها القصر غير المصحوبين بذويهم. وفي هذا الصدد، حذرت باحثة الهجرة Judith Kohlenberger من أن هذه الإجراءات تتم في مخيمات حدودية تُعتبر قانونياً خارج حدود الاتحاد، مما يهدد بفرض “شروط شبه احتجازية” ويصعب من إمكانية الحصول على المشورة القانونية.
تضامن “حسب الطلب” وانتقادات لآلية التوزيع
تثير الإصلاحات تساؤلات حول القدرة الاستيعابية للمراكز الحدودية في حال تدفق أعداد هائلة من المهاجرين في وقت واحد. ورغم إعفاء النمسا حالياً من التزامات التضامن، فإن الآلية الجديدة تتيح للدول الأعضاء الاختيار بين استقبال اللاجئين، أو تقديم الدعم المالي، أو إرسال موظفين لدعم دول الطوق الإقليمي. ووصف الخبير الاستشاري Lukas Gahleitner-Gertz هذا النموذج بأنه “تضامن حسب الطلب” (Solidarität a la carte)، في حين انتقد خبير Migrations-Experte Gerald Knaus الآلية معتبراً إياها “خديعة سياسية”، مستشهداً بضخ أموال طائلة سابقاً لليونان دون أن يمنع ذلك مرور المهاجرين أو يسهل عمليات إعادتهم.
التعديلات القانونية الداخلية في النمسا
فرضت الإصلاحات الأوروبية على النمسا إجراء تعديلات تشريعية محلية عبر قانون مواءمة حزمة اللجوء والهجرة (AMPAG). وباتت الطعون المقدمة ضد القرارات السلبية الصادرة عن المكتب الاتحادي لشؤون الهجرة والجوء (BFA) في الإجراءات المعجلة تفتقر إلى الأثر التعليقي التلقائي، مما يلزم المتضررين بتقديم طلب منفصل لـ “حق البقاء” لتفادي الترحيل الفوري. كما طرأ تعديل على نظام “الحماية الفرعية” (subsidiärer Schutz)؛ إذ لن تمنح الحماية بعد الآن بناءً على المخاطر العامة كالمجاعة، بل يجب أن يكون التهديد صادراً عن “طرف أو فاعل معين” (Akteur)، وبخلاف ذلك يمنح الشخص تصريح إقامة جديداً يحمل مزايا أقل. وفي المقابل، طرأ تحسن ملموس على حقوق القصر غير المصحوبين بذويهم، حيث سيتلقون الرعاية والوصاية القانونية (Obsorge) منذ “اليوم الأول” عبر هيئات رعاية الأطفال والشباب في الولايات النمساوية، بعد أن كانت النمسا تتذيل الترتيب الأوروبي في هذا المجال.



