مسيرة قوس قزح في فيينا.. “نضال حقوقي مستمر ضد التمييز ومحاولات التراجع العالمي”
النمسا ميـديـا – فيينا:
بمناسبة مرور ثلاثة عقود على انطلاقها، أحيت العاصمة النمساوية ذكرى مرور 30 عاماً على خروج أول مسيرة للمطالبة بالحقوق المتساوية ومناهضة التمييز ضد الأفراد مجتمع الميم عبر شارع Ringstraße الشهير في فيينا، حيث تدفقت حينها عربات مزينة وأشخاص يرتدون ملابس ملونة في حدث تاريخي غير ملامح النضال الحقوقي في البلاد. وفي حديث خاص مع موقع ORF.at، استرجع مؤسسو مسيرة “قوس قزح” (Regenbogenparade) بدايات هذا الحراك، مسلطين الضوء على الانتفاضات والمقاومة المجتمعية، ومستذكرين انتفاضة “Stonewall” كمحطة مفصلية، ومؤكدين على أن المسيرة، حتى بعد مرور 30 عاماً، لا يمكن اختزالها في مجرد احتفال بل يجب أن تظل دائماً منصة للاحتجاج والمطالبة بالحقوق.
من نيويورك إلى فيينا: الجذور التاريخية للحراك
تُعتبر ليلة 28 يونيو 1969 في نيويورك الولادة الحقيقية لحركة حقوق مجتمع الميم العالمية، حيث شهدت تلك الليلة انتفاضة “Stonewall Riots” الشهيرة ضد الاضطهاد في حانة بشارع “Christopher Street”. وإحياءً لذكراها السنوية الأولى في عام 1970، انطلقت أول مسيرة تحت اسم “Christopher Street Day” (CSD) في مدينة نيويورك، لتنتشر هذه المسيرات لاحقاً في جميع أنحاء العالم بأسماء مختلفة مثل “Pride” أو “Regenbogenparade” في النمسا، حاملةً الشعار ذاته. وفي عام 1994، شارك النمساوي Andreas Brunner (المدير العلمي الحالي لمركز الثقافة والتاريخ الكويري Qwien) في مسيرة اليوبيل الـ25 في نيويورك التي ضمت 800 ألف شخص، ليعود في العام التالي برفقة زميله Hannes Sulzenbacher برؤية واضحة مفادها: “نحن بحاجة إلى حدث مماثل في فيينا”.
كواليس التأسيس وتحديات المسيرة الأولى عام 1996
شهدت الاجتماعات التحضيرية الأولى في فيينا نقاشات حادة ومخاوف من الفشل أو الإحراج، حيث اعتقد البعض أن شارع Ringstraße قد يكون كبيراً جداً على المسيرة وأن أحداً لن يشارك فيها. ويروي المؤسس المشارك Christian Michelides أنه قال آنذاك باصرار: “حتى لو اضطررت للسير بمفردي مع كلبي Bobi عبر الـ Ring، فسوف أقوم بتسجيل المسيرة رسمياً”. وبالفعل، انطلقت النسخة الأولى عام 1996 بميزانية متواضعة بلغت 20 ألف شلن نمساوي، وامتدت فقط من دار الأوبرا حتى الجامعة وفي اتجاه حركة المرور. ورغم رغبة السياسة والشرطة في نقل الفعالية إلى متنزه “Prater-Hauptallee”، أصر المنظمون على الـ Ringstraße باعتباره Boulevard تاريخي يمثل مساحة علنية لفرض حضورهم، واقترح الناشط Mario Soldo تسميتها بـ “Regenbogenparade” تيمناً برموز قوس قزح التي بدأت تشتهر حينها.
Mobilisierung والصدى الشعبي لـ 25 ألف مشارك
أثمرت جهود التعبئة الواسعة التي شملت كافة الولايات النمساوية من بحيرة Bodensee إلى بحيرة Neusiedler See عن مشاركة 25 ألف شخص في المسيرة الأولى عام 1996. وتنوعت ردود أفعال الشارع النمساوي حينها بين الفضول لمشاهدة الحدث وبين التذمر والامتعاض من بعض الفئات التي سرعان ما تراجعت أمام الحشد الكبير. ووصف المنظمون الأجواء العامة في ذلك الوقت بأنها كانت مزيجاً من العمل الشاق والمرح والنضال، لا سيما بعد النجاح الباهر الذي حققه حفل “Lifeball” في مبنى البلدية عام 1993، والذي مهد الطريق تدريجياً لتشكيل الحركة والمطالبة بالحقوق والحصول على دعم من مدينة فيينا. وفي عام 1997، تغلبت المسيرة على العقبات الإدارية لتبدأ السير عكس اتجاه حركة المرور لأول مرة وسط تراخي تذمر شرطة السير.
التطور السياسي والقوانين والاحتجاج ضد التراجع العالمي
شهدت المسيرة تحولات شعاراتية وسياسية بارزة على مدار العقود؛ فبينما ركزت النسخة الأولى على “الظهور وإثبات الوجود”، تُركت الحرية في السنوات اللاحقة للمجموعات لاختيار رسائلها، والتي شملت مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية (HIV)، والمطالبة بالحرية لأوكرانيا في عام 2023. وفي عام 2010، قُننت الشراكات المسجلة لملتزمي نفس الجنس في النمسا، وهو ما اعتبره Brunner الثورة القانونية الوحيدة التي نبعت من الإرادة السياسية الداخلية، في حين أن بقية الحقوق – مثل تشريعات تبني الأطفال عام 2016 – انتُزعت عبر المحاكم العليا. ورغم الإنجازات، يرى الناشطون وجود فجوات كبيرة في قوانين مناهضة التمييز، محذرين من التراجع الحاد في الحقوق والحريات على مستوى العالم (Backlash) وصعود التيارات اليمينية والمحافظة، مستشهدين بظهور مسيرات مضادة مثل “المرسيدس من أجل العائلة” منذ عام 2012.
اتساع الطيف وتجارة الـ Pride في العصر الحديث
تختتم المسيرة تقليدياً بكلمات يلقيها ساسة بارزون وعروض فنية، مثل ظهور الفنانة Conchita Wurst عام 2019. ويؤكد Michelides أن المظاهر الصاخبة أو فناني الـ Dragqueens يمثلون نسبة صغيرة فقط من هذا المجتمع، بينما الغالبية هم موظفون حكوميون، وعمال بنوك، وعمال بناء يودون فقط العيش بسلام مع شركائهم. وفي الختام، يلاحظ Brunner أن مفهوم “Queerness” قد تغير على مر العقود ليتحول إلى طيف واسع وشامل، وتأسست أقسام للتنوع في الشركات الكبرى، وأصبحت المسيرة أكثر تجارية مقارنة بالماضي، مؤكداً في الوقت ذاته: “لكن لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به”.



