رغم البعد الجغرافي.. النمسا والمغرب تعززان تعاونهما في “النظام العالمي الجديد”

النمسا ميـديـا – فيينا :
وقّعت وزيرة الخارجية النمساوية “Beate Meinl-Reisinger” ونظيرها المغربي ناصر بوريطة، يوم الأربعاء في فيينا، اتفاقية لتدشين حوار استراتيجي بين النمسا والمغرب، وذلك في إطار تعميق الشراكة الثنائية التي وصفتها الوزيرة بأنها “متميزة”. وأكدت “Meinl-Reisinger” أن هذه الخطوة تأتي في ظل “النظام العالمي الجديد” الذي يتطلب شراكات قوية لضمان الأمن والفرص الاقتصادية، والتعاون في ملف الهجرة، بينما شدد بوريطة على أن العلاقات القائمة على الفهم المتبادل تحقق نتائج ملموسة للشعوب والمنطقة، رغم البعد الجغرافي.
وتعد هذه الاتفاقية محطة جديدة في مسار التعاون بين البلدين، حيث تُصنف المملكة المغربية كثالث أهم سوق تصدير للنمسا في القارة الإفريقية. ووفقاً لتقارير غرفة التجارة، فقد سجلت الصادرات النمساوية إلى المغرب ارتفاعاً بنسبة 16 في المئة في عام 2024، مع زيادة إضافية بنحو 23 في المئة خلال النصف الأول من عام 2025 مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق. وتأتي هذه الاتفاقية استكمالاً لتفاهمات سابقة، منها إعلان النوايا في فبراير 2023 حول التجارة والهجرة، ومعاهدة سبتمبر 2024 بشأن تسليم المحكوم عليهم.
وتستند العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى تاريخ يمتد لأكثر من 240 عاماً، يعود إلى معاهدة الصداقة التي أبرمها الإمبراطور “Joseph II” مع السفير المغربي “Mohamed bin Abdelmalik” عام 1783، وهي قيم التعاون والسلام التي استشهدت بها “Meinl-Reisinger” كنموذج ملهم في الأوقات الراهنة.

وعلى صعيد موازٍ، استقبل رئيس المجلس الوطني “Walter Rosenkranz” الوزير المغربي في البرلمان ضمن زيارته للنمسا. وتركزت المباحثات على تعزيز العلاقات الثنائية، والتعاون الأمني والاقتصادي، وملف الهجرة غير النظامية. وأشاد “Rosenkranz” بدور المغرب كشريك مستقر وموثوق في إفريقيا، مثمناً دبلوماسيته الرصينة، بينما أكد بوريطة على التقدم المحرز في ملف الهجرة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة توزيع المسؤوليات وعدم تحميل دول العبور وحدها أعباء الضغط المرتبط بالهجرة إلى أوروبا.
قضية الصحراء المغربية
جددت النمسا التزامها بحل النزاع في الصحراء، ورحبت بتبني قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2797 (2025)، الذي يعبر عن الدعم الكامل للأمين العام ومبعوثه الشخصي في تسهيل وإجراء المفاوضات، مع اتخاذ مبادرة الحكم الذاتي المغربية أساساً لذلك، بهدف التوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول لكل الأطراف، يتوافق مع مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة. كما أكد القرار أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل حلاً قابلاً للتطبيق، ورحبت النمسا باستعداد المغرب للانخراط بحسن نية مع جميع الأطراف المعنية لتوضيح ترتيبات هذا الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
الشراكة الأوروبية والأفريقية
أكد المغرب والنمسا على أهمية تطوير التعاون والشراكة والحوار بين الاتحاد الأوروبي وجواره الجنوبي والمنطقة الأورو-إفريقية. وفي هذا الصدد، رحبت النمسا بالبيان المشترك لمجلس الشراكة المغرب-الاتحاد الأوروبي الخامس عشر المنعقد في بروكسل بتاريخ 29 يناير 2026، والذي رحب فيه الطرفان بـ “ميثاق المتوسط” الذي أُطلق في برشلونة في 28 نوفمبر 2025، والذي يجسد الطموح الاستراتيجي لإعادة تعريف العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وشركائه الجنوبيين.
وفي تصريح خاص من سفير المملكة المغربية في النمسا عز الدين فرحان
العلاقة بين المغرب والنمسا ليست مجرد تتابع لمحطات دبلوماسية، بل هي تعبير عن منطق تاريخي يقوم على استمرارية المعنى أكثر من ظرفية الحدث. فمنذ توقيع معاهدة الصداقة والسلام سنة 1783، تشكلت بين البلدين صيغة خاصة من التفاعل، حيث لم تكن الجغرافيا عائقًا، بل أصبحت المسافة مجالًا للتكامل والتفاهم.
فلسفيًا، يمكن فهم هذه العلاقة باعتبارها انتقالًا من “دبلوماسية الاعتراف” إلى “دبلوماسية الشراكة”. في مرحلتها الأولى، كان الهدف تثبيت الاحترام المتبادل والسيادة، أما اليوم، فقد أصبحت قائمة على تقاطع المصالح والرؤى في عالم معقد ومترابط. هذا التحول يعكس وعيًا سياسيًا لدى البلدين بأن العلاقات الدولية لم تعد تُبنى فقط على التاريخ، بل على القدرة على استثماره في الحاضر وصياغة المستقبل.
وفي هذا السياق، تكتسب الزيارة التاريخية التي قام بها Karl Nehammer إلى المغرب في 28 فبراير 2023 دلالة رمزية عميقة، حيث خُصصت لتخليد الذكرى الـ240 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. لم تكن هذه الزيارة مجرد احتفال بالماضي، بل شكلت لحظة وعي مشترك بأهمية تحويل الإرث التاريخي إلى قوة دافعة نحو المستقبل.
وقد تُوجت هذه الزيارة باعتماد خارطة طريق طموحة، أرست مجموعة من الحوارات القطاعية في مجالات متعددة، من السياسة إلى الاقتصاد والثقافة والأمن، كتمهيد لإطلاق حوار استراتيجي شامل. وهنا يتجلى البعد الفلسفي الأعمق: فالتاريخ لا يُستحضر كذاكرة جامدة، بل كإمكان مفتوح يعاد تشكيله وفق حاجات الحاضر.
لقد أدرك المغرب والنمسا أن الاستقرار والتعاون لا يمكن أن يتحققا إلا عبر حوار مؤسساتي مستمر، يتجاوز الطابع الظرفي للقاءات إلى منطق استراتيجي طويل الأمد. ومن هنا جاء إرساء الحوار الاستراتيجي كترجمة عملية لفكرة أن التفاهم ليس حدثًا عابرًا، بل مسارًا دائمًا من التشاور وتبادل الرؤى.
إن هذا الحوار يعكس أيضًا فلسفة الانفتاح: فالمغرب، بجذوره الإفريقية والعربية والأوروبية، والنمسا، بعمقها الأوروبي وموقعها كجسر للحوار، يلتقيان في تصور مشترك يقوم على التعددية والتوازن. وهكذا يصبح الحوار الاستراتيجي ليس فقط آلية للتعاون، بل رؤية مشتركة لعالم أكثر ترابطًا، حيث تتحول العلاقات الثنائية إلى نموذج يُحتذى به في بناء الثقة عبر الزمن.



